ان قضية العصر الحاضر ضدالدين هي قضية طريقة الاستدلال، اعني الطريقة الجديدة التي كشفها العلم الحديث بعد التطورات في ميادينه العديدة، بحيث لم تعد تقف امامها دعوى الدين وعقائده هذه الطريقة الجديدة هي معرفة الحقيقة بالتجربة والمشاهدة على حين تتصل عقائد الدين بعالم ما وراء حواسنا، ولا يمكن اخضاعها للتجربة. ( فالدين كله مبني على قياس واستقراء )(1). وهذا هو ما يجعله باطلا، لانه ليس له اساس علمي.
وقضية العصر الحاضر باطلة، لانها لا تقوم على اسس علمية، فالطريقة الجديدة لا تنفي وجود اشياء لم تجرب مباشرة، كما لا تنفي قياس اشياء لم نشاهدها على اشياء شاهدناها تجريبيا وهو ما يسمى «قياسا علميا»، ويعتبر كالتجربة المباشرة، فالتجربة لا تعد حقيقة علمية لمجرد انها شوهدت، كما ان القياس ليس باطلا لمجرد انه قياس. فامكان الصحة والبطلان موجود فيهما على سواء.
كان الناس في القديم يصنعون السفن الشراعية من الخشب. اعتقادا منهم ان الماء لا يحمل الامايكون اخف منه وزنا، وحين قال بعضهم : ان السفن الحديدية سوف تطفو على سطح الماء كالتي من الخشب. انكر الناس عليه مقالته واتخذوه هزوا، وجاء نحاس فالقى بنعل من حديد في دلو مملوء بالماء ليشهد الناس على ان هذه القطعة الحديدة بدل ان تطفو على سطح الماء استقرت في القاع. كان هذا العمل تجربة. ولكننا جميعا نعتقد اليوم انها كانت تجربة باطلة، فلو كان النحاس قد القى بطبق من حديد لشاهد بعينيه صدق ما قيل من طفو السفن الحديدية.
(1) ومثاله ان اصحاب الدين اذا ارادوا اثبات وجود الاله لا يقدرون على ذلك باستعمال التلسكوب، ولكنهم يستدلون بان نظام الكون وروحه العجيبة تدلان على انه يوجد عقل الهي وراءهما. وهذا الدليل لا يثبت وجود الاله مباشرة، وانما هو يثبت قرينة تستلزم الايمان بالله بعد الايمان بها.