الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 93-576 الجزء

الصفحة التالية

تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين إنما الله إله واحد ( فاستقيموا له ) أي اخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل ( واستغفروه ) أي لسالف الذنوب ( وويل للمشركين ) أي دمار لهم وهلاك عليهم ( الذين لا يؤتون الزكاة ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني الذي لا يشهدون أن لا إله إلا الله وكذا قال عكرمة وهذا كقوله تبارك وتعالى ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) وكقوله جلت عظمته ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) وقوله عز وجل ( فقل هل لك إلى أن تزكى ) والمراد بالزكاة ههنا طهارة النفس من الاخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه وتوفيقا إلى استعماله في الطاعات وقال السدي ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ) أي لا يدينون بالزكاة وقال معاوية بن قرة ليس هم من أهل الزكاة وقال قتادة يمنعون زكاة أموالهم وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين واختاره ابن جرير وفيه نظر لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية اللهم إلا أن يقال لا يبعد أن يكون أصل الصدقة والزكاة كان مأمورا به في ابتداء البعثة كقوله تبارك وتعالى ( وآتوا حقه يوم حصاده ) فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرها بالمدينة ويكون هذا جمعا بين القولين كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئا فشيئا والله أعلم ثم قال جل جلاله بعد ذلك ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) قال مجاهد وغيره غير مقطوع ولا مجبوب كقوله تعالى ( ماكثين فيها أبدا ) وكقوله عز وجل ( عطاء غير مجذوذ ) وقال السدي غير ممنون عليهم وقد رد عليه هذا التفسير بعض الأئمة فإن المنة لله تعالى على أهل الجنة قال الله تبارك وتعالى ( بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) وقال أهل الجنة ( فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ( خ5673 م2816 )

الآيات ( فصلت 9 : 12 ) 

 هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره وهو الخالق لكل شيء القاهر لكل شيء المقتدر على كل شيء فقال ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ) أي نظراء وأمثالا تعبدونها معه ( ذلك رب العالمين ) أي الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى ( خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص السماء فذكر أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده السقف كما قال عز وجل ( وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ) الآية فأما قوله تعالى ( أأنتم أشد خلقا أم اسماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم ) ففي هذه الآية أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء فالدحو هو مفسر بقوله ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) وكان هذا بعد خلق السماء فأما خلق الأرض فقبل السماء بالنص وبهذا أجاب ابن عباس رضي الله تعالى عنه فيما ذكره البخاري عند تفسيره هذه الآية من صحيحه فإنه قال وقال المنهال عن سعيد بن جبير قال قال رجل لابن عباس


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000