الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 59-576 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( الزمر 53 : 59 ) 

  هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه قال البخاري ( 4810 ) حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج اخبرهم قال يعلى إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) ونزل ( قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) وهكذا رواه مسلم ( 122 ) وأبو داود والنسائي ( كبرى 11449 ) من حديث ابن جريج عن يعلى بن مسلم المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما به المراد من الآية الأولى قوله تعالى ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ) الآية وقال الإمام أحمد ( 5/275 ) حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو قبيل قال سمعت أبا عبد الرحمن المري يقول سمعت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) إلى آخر الآية فقال رجل يا رسول الله فمن أشرك فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال ألا ومن أشرك ثلاث مرات تفرد به الإمام أحمد وقال الإمام أحمد ( 4/385 ) أيضا حدثنا سريج بن النعمان حدثنا نوح بن قيس عن أشعث بن جابر الحداني عن مكحول عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يدعم على عصا له فقال يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي فقال صلى الله عليه وسلم ألست تشهد أن لا إله إلا الله قال بلى وأشهد أنك رسول الله فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد غفر لك غدراتك وفجراتك تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ ( إنه عمل غير صالح ) وسمعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ولا يبالي ( إنه الغفور الرحيم ) ورواه أبو داود ( 3982 ) والترمذي ( 2931 ) من حديث ثابت فهذه الاحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولايقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع قال الله تعالى ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) وقال عز وجل ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) وقال جل وعلا في حق المنافقين ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا ) وقال جل جلاله ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم ) ثم قال جلت عظمته ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) وقال تبارك وتعالى ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) قال الحسن البصري رحمة الله عليه انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة والآيات في هذا كثيرة جدا وفي الصحيحين ( خ3470 م2766 ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ثم ندم وسأل عابدا من عباد بني إسرائيل هل له من توبة فقال لا فقتله وأكمل به مئة ثم سأل عالما من علمائهم هل له من توبة فقال ومن يحول بينك وبين التوبة ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذأب فأمر الله عز وجل أن


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000