الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 52-576 الجزء

الصفحة التالية

من الخشية والخوف ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه

[ احدها ]

 أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات 

[ الثاني

أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال تبارك وتعالى ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) وقال تعالى ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم [ الثالث

أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة رضي الله عنه عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ماليس فيهم بل عندهم من الثبات والسكون والادب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة قال عبد الرزاق حدثنا معمر قال تلا قتادة رحمه الله ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين وقلوبهم إلى ذكر الله ) قال هذا نعت أولياء الله نعتهم الله عز وجل بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا من أهل البدع وهذا من الشيطان وقال السدي ( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) أي إلى وعد الله وقوله ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ) أي هذه صفة من هداه الله ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله ( ومن يضلل الله فما له من هاد )

  الآيات ( الزمر 24 : 26 ) 

 يقول تعالى ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) ويقرع فيقال له ولأمثاله من الظالمين ( ذوقوا ماكنتم تكسبون ) كمن يأتي آمنا يوم القيامة كما قال عز وجل ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم ) وقال جل وعلا ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ) وقال تبارك وتعالى ( أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) وأكتفي في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر كقول الشاعر 

 فما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني

  يعني الخير والشر وقوله جلت عظمته ( كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) يعني القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق وقوله جل وعلا ( فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ) أي بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفى المؤمنون منهم فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الانبياء صلى الله عليه وسلم والذي أعده جل جلاله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا ولهذا قال عز وجل ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون )


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000