الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 509-576 الجزء

الصفحة التالية

القبيلة المسماة بعاد وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد مبنية بلبن الذهب والفضة وقصورها ودورها وبساتينها وإن حصباءها لآلئ وجواهر وترابها بنادق المسك وأنهارها سارحة وثمارها ساقطة ودورها لا أنيس بها وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب وإنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام وتارة باليمن وتارة بالعراق وتارة بغير ذلك من البلاد فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك القول عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك وذكر الثعلبي وغيره أن رجلا من الأعراب وهو عبد الله بن قلابة في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت فبينما هو يتيه في ابتغائها إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب فدخلها فوجد فيها قريبا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها وأنه رجع فأخبرالناس فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئا وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة إرم ذات العماد ههنا مطولة جدا فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج وليس كذلك وهذا مما يقطع بعدم صحته وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين و المتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب والفضة وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والأكسير لكن عليها من الوصول والأخذ منها فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات ويطنزون بهم والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوز كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله فأما على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت ولم يصح في ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم والله سبحانه وتعالى الهادي للصواب وقول ابن جرير يحتمل ان يكون المراد بقوله ( إرم ذات العماد ) قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تصرف فيه نظر لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة ولهذا قال بعده ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) يعني يقطعون الصخر بالوادي قال ابن عباس ينحتونها ويخرقونها وكذا قال مجاهد وقتاده والضحاك وابن زيد ومنه يقال مجتابي النمار إذا حرقوها واجتاب الثوب إذا فتحه ومنه الجيب أيضا وقال الله تعالى ( وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ) وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم ههنا قول الشاعر

 ألا كل شيء ما خلا الله بائد كما باد حي من شنيف ومارد

   هم ضربوا في كل صماء صعدة بأيد شداد أيدات السواعد

  وقال ابن إسحاق كانوا عربا وكان منزلهم بوادي القرى وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته وقوله تعالى ( وفرعون ذي الأوتاد ) قال العوفي عن ابن عباس الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره ويقال كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها وكذا قال مجاهد كان يوتد الناس الأوتاد وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي قال السدي كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه وقال قتادة بلغنا أنه كان له مطال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال وقال ثابت البناني عن أبي رافع قيل لفرعون ذي الأوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت وقوله تعالى ( الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ) أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) أي أنزل عليهم رجزا من السماء وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين وقوله تعالى ( إن ربك لبالمرصاد ) قال ابن عباس يسمع ويرى يعني يرصد خلقه فيما يعملون ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والأخرى وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثا غريبا جدا وفي إسناده نظر وفي صحته فقال حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا يونس الحذاء عن ابي حمزة البيساني عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يامعاذ إن المؤمن


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000