الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 418-576 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( الحاقه 38 : 43 ) 

 تعالى مقسما لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم أن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة فقال تعالى ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أضافه إليه على معنى التبليغ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) وهذا جبريل عليه السلام ثم قال تعالى ( وما صاحبكم بمجنون ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( ولقد رآه بالأفق المبين ) يعني أن محمدا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ( وما هو على الغيب بضنين ) أي بمتهم ( وما هو بقول شيطان رجيم ) وهكذا قال ههنا ( وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) فأضافه الله تارة إلى قول الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري لأن كلا منهما مبلغ من الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه ولهذا قال تعالى ( تنزيل من رب العالمين ) قال الإمام أحمد ( 1/17 ) حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثنا شريح بن عبيد قال قال عمر بن الخطاب خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش قال فقرأ ( إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ) قال فقلت كاهن قال فقرأ ( ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين ) إلى آخر السورة قال فوقع الإسلام في قلبي كل موقع فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة ولله الحمد والمنة 

الآيات ( الحاقه 44 : 52 ) 

 يقول تعالى ( ولو تقول علينا ) أي محمد صلى الله عليه وسلم لو كان كما يزعمون مفتريا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة ولهذا قال تعالى ( لأخذنا منه باليمين ) قيل معناه لانتقمنا منه باليمين لأنها أشد في البطش وقيل لأخذنا بيمينه ( ثم لقطعنا منه الوتين ) قال ابن عباس هو نياط القلب وهو العرق الذي القلب معلق فيه وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحكم وقتادة والضحاك ومسلم البطين وأبو صخر حميد بن زياد وقال محمد بن كعب هو القلب ومراقه وما يليه وقوله تعالى ( فما منكم من أحد عنه حاجزين ) أي فما يقدر أحد منكم على أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئا من ذلك والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد لأن الله عز وجل مقرر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات ثم قال تعالى ( وإنه لتذكرة للمتقين ) يعني القرآن كما قال تعالى ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) ثم قال تعالى ( وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ) أي مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن ثم قال تعالى ( وإنه لحسرة على الكافرين ) قال ابن جرير وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة وحكاه عن قتادة بمثله وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك ( وإنه لحسرة على الكافرين ) يقول لندامة ويحتمل عود الضمير على القرآن أي وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين كما قال تعالى ( كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به ) وقال تعالى ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) ولهذا قال ههنا ( وإنه لحق اليقين ) أي الخبر الصادق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب ثم قال تعالى ( فسبح باسم ربك العظيم ) أي الذي أنزل هذا القرآن العظيم 

  ( سورة سأل سائل ) 


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000