الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 4-576 الجزء

الصفحة التالية

بمعنى واحد فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوؤها جرم السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض كما قال تبارك وتعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير ) وقال عز وجل ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) فقوله جل وعلا ههنا ( وحفظا ) تقديره حفظناها حفظا ( من كل شيطان مارد ) يعني المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه ولهذا قال عز وجل ( لايسمعون إلى الملإ الأعلى ) أي لئلا يصلوا إلى الملإ الأعلى وهي السموات ومن فيها من الملائكة إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدره كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تبارك وتعالى ( حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) ولهذا قال تعالى ( ويقذفون ) أي يرمون ( من كل جانب ) أي من كل جهة يقصدون منها ( دحورا ) أي رجما يدحرون به ويزجرون ويمنعون من الوصول إلى ذلك ويرجمون ( ولهم عذاب واصب ) أي في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر كما قال جلت عظمته ( وأعتدنا لهم عذاب السعير ) وقوله تبارك وتعالى ( إلا من خطف الخطفة ) أي إلا من اختطف من الشياطين الخطفة وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته ويلقيها الآخر إلى الذي تحته فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه فيذهب بها الآخر إلى الكاهن كما تقدم في الحديث ولهذا قال ( إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) أي مستنير قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان للشياطين مقاعد في السماء قال فكانوا يستمعون الوحي قال وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا ترمى قال فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعا قال فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه قال فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله فقال ما هو إلا من أمر حدث قال فبعث جنوده فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة قال وكيع يعني بطن نخلة قال فرجعوا إلى إبليس فأخبروه فقال هذا الذي حدث وستأتي إن شاء الله تعالى الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا ( وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ربهم رشدا )

الآيات ( الصافات 11 : 19 ) 

 يقول تعالى فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيما أشد خلقا هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه أم من عددنا فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا كما قال عز وجل ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ثم يبين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال ( إنا خلقناهم من طين لازب ) قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة هو اللزج الجيد وقال قتادة هو الذي يلزق باليد وقوله عز وجل ( بل عجبت ويسخرون ) أي بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت موقن ومصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب وهو إعادة الاجسام بعد فنائها وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم ويسخرون مما تقول لهم من ذلك


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000