كما قال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن قال كنت جالسا مع الحسن فقال رجل سله عن قوله تعالى ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) وسألته عنها فقال سبحان الله ومن يشك في هذا كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة وقال قتادة ما أصاب من مصيبة في الأرض قال هي السنون يعني الجدب ( ولا في أنفسكم ) يقول الأوجاع والأمراض وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولانكبة قدم ولاخلجان عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وهذه الآيةالعظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله قال الإمام أحمد ( 2/169 ) حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا أخبرنا أبو هانئ الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ورواه مسلم ( 2653 ) من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن زيد ثلاثتهم عن أبي هانئ به وزاد ابن وهب وكان عرشه على الماء ورواه الترمذي ( 2156 ) وقال حسن صحيح وقوله تعالى ( إن ذلك على الله يسير ) أي أن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله عز وجل لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون وقوله تعالى ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم ) أي أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها وتقديرها للكائنات قبل وجودها لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطئكم لم يكن ليصيبكم فلا تأسوا على ما فاتكم لأنه لو قدر شيء لكان ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) أي جاءكم وتفسير آتاكم أي أعطاكم وكلاهما متلازم أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا تفتخرون بها على الناس ولهذا قال تعالى ( والله لا يحب كل مختال فخور ) أي مختال في نفسه متكبر فخور أي على غيره وقال عكرمة ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا ثم قال تعالى ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) أي يفعلون المنكر ويحضون الناس عليه ( ومن يتول ) أي عن أمر الله وطاعته ( فإن الله هو الغني الحميد ) كما قال موسى عليه السلام ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد )
يقول تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) أي بالمعجزات والحجج الباهرات والدلائل القاطعات ( وأنزلنا معهم الكتاب ) وهو النقل الصدق ( والميزان ) وهو العدل قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة كما قال تعالى ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) وقال تعالى ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) وقال تعالى ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) ولهذا قال في هذه الآية ( ليقوم الناس بالقسط ) أي بالحق والعدل وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق كما قال ( وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا ) أي صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوؤا غرف الجنات والمنازل العاليات والسرر المصفوفات ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) وقوله تعالى ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) أي وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وبينات ودلالات فلما قامت الحجة على من خالف شرع الله الهجرة وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |