الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 314-576 الجزء

الصفحة التالية

بعد قنوط الناس كما قال تعالى ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) وقوله تعالى ( أعجب الكفار نباته ) أي يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نيت بالغيث كما يعجب الزراع كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها ( ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ) أي يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرا بعدما كان خضرا نضرا ثم يكون بعد ذلك كله حطاما أن يصير يبسا متحطما هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزا شوهاء والإنسان يكون كذلك أول عمره وعنفوان شبابه غضا طريا لين الأعصاف بهي المنظر ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه ثم يكبر فيصير شيخا كبيرا ضعيف القوى قليل الحركة يعجزه الشيء اليسير كما قال تعالى ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضاءها وفراغها لامحالة وأن الآخرة كائنة لامحالة حذر من أمرها ورغب فيها من الخير فقال ( وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) أي وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا إما عذب شديد وإما مغفرة من الله ورضوان وقوله تعالى ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) أي هي متاع فان غار لمن ركن إليه فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أن لا دار سواها ولا معاد وراءها وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة قال ابن جرير حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا المحاربي حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) وهذا حديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم وقال الإمام أحمد ( 1/387 و 442 ) حدثنا ابن نمير ووكيع كلاهما عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنة أقرب إلى أحدكم إلى شراك نعله والنار مثل ذلك انفرد بإخراجه البخاري في الرقاق ( 6488 ) من حديث الثوري عن الأعمش به ففي هذا الحديث على اقتراب الخير والشر من الإنسان وإذا كان الأمر كذلك فلهذا حثه الله تعالى على المبادرة على الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عنه الذنوب والزلات وتحل له الثواب والدرجات فقال تعالى ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) والمراد جنس السماء والأرض كما قال تعالى في الآية الأخرى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) وقال ههنا ( أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) أي هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم كما قدمنا في الصحيح ( خ843 م595 ) قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم قال وما ذاك قالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولانعتق قال أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولايكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ماصنعتم تسبحون وتكبرون وتحمدون دبركل صلاة ثلاثا وثلاثين قال فرجعوا فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال ففعلوا مثلهم فقال رسول اله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء

الآيات ( الحديد 22 : 24 ) 

 يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ) أي في الآفاق وفي نفوسكم ( إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) أي من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة وقال بعضهم من قبل أن نبرأها عائد على النفوس وقيل عائد على المصيبة والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000