الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 312-576 الجزء

الصفحة التالية

فقالوا تعالوا ندعو بني إسرائيل إلى كتابنا هذا فمن تابعنا عليه تركناه ومن كره أن يتابعنا قتلناه ففعلوا ذلك وكان فيهم رجل فقيه فلما رأى ما يصنعون عمد ما يعرف من كتاب الله فكتبه في شيء لطيف ثم أدرجه فجعله في قرن ثم علق ذلك القرن في عنقه فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض ياهؤلاء إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل فادعوا فلانا فاعرضوا عليه كتابكم فإنه إن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس وإن أبى فاقتلوه فدعوا فلانا ذلك الفقيه فقالوا أتؤمن بما في كتابنا هذا قال وما فيه اعرضوه علي فعرضوه عليه إلى آخره ثم قالوا أتؤمن بهذا قال نعم آمنت بما في هذا وأشار بيده إلى القرن فتركوه فلما مات فتشوه فوجدوه معلقا ذلك القرن فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله فقال بعضهم لبعض ياهؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابته فتنة فافترقت بنو إسرائيل على اثنين وسبعين ملة وخير مللهم ملة أصحاب القرن قال ابن مسعود وإنكم أوشك بكم إن بقيتم أو بقي من بقي منكم أن تروا أمورا تنكرونها لا تستطيعون لها غيرا فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره وروى أبو جعفر الطبري حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن المغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال يا أبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر فقال عبد الله هلك من لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر قلبه منكرا إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم وقالوا نعرض على بني إسرائيل هذا الكتاب فمن آمن به تركناه ومن كفر به قتلناه قال فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه فلما قيل له أتؤمن بهذا قال آمنت به ويومئ إلى القرن الذي بين ثندوتيه ومالي لا أمن بهذا الكتاب فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن وقوله تعالى ( اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي الحيارى بعد ضلتها ويفرج الكروب بعد شدتها فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال والمضل لمن أراد بعد الكمال الذي هو لما يشاء فعال وهو الحكيم العدل في جميع الفعال اللطيف الخبير الكبير المتعال

الآيات ( الحديد 18 : 19 ) 

 يخبر تعالى عما يثبت به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) أي دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولاشكورا ولهذا قال ( يضاعف لهم ) أي يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها ويزاد على ذلك بسبع مئة ضعف وفوق ذلك ( ولهم أجر كريم ) أي ثواب جزيل حسن ومرجع صالح ومآب حسن وقوله تعالى ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) هذا تمام لجملة وصف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وقال العوفي عن ابن عباس قوله تعالى ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) هذه مفصولة ( والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) وقال أبو الضحى ( أولئك هم الصديقون ) ثم استانف هذا الكلام فقال ( والشهداء عند ربهم ) وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى ( أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ) قال هم ثلاثة أصناف يعني المصدقين والصديقين والشهداء كما قال تعالى ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) ففرق بين الصديقين والشهداء فدل على أنهما صنفان ولا شك أن


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000