الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 22-576 الجزء

الصفحة التالية

مرات وهم يضنون به أن يلقى من بينهم فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس عليه السلام فلا يهشم له لحما ولا يكسر له عظما فجاء ذلك الحوت وألقى يونس عليه السلام نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت وكان من جملة دعائه يارب اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس واختلفوا في مقدار مالبث في بطن الحوت فقيل ثلاثة أيام قاله قتادة وقيل سبعة قاله جعفر الصادق رضي الله عنه وقيل أربعين يوما قاله أبو مالك وقال مجاهد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية والله تعالى أعلم بمقدار ذلك وفي شعر أمية بن أبي الصلت

 وأنت بفضل منك نجيت يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا 

وقوله تعالى ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) قيل لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى على ما يدل على ذلك إن صح الخبر وفي حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة ( فلولا أنه كان من المسبحين ) يعني المصلين وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك وقال بعضهم من المسبحين في جوف أبويه وقيل المراد ( فلولا أنه كان من المسبحين ) هو قوله عز وجل ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) قال سعيد بن جبير وغيره وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه ولا أعلم إلا أن أنسا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعوا بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظلمين فأقبلت الدعوة تحن بالعرش قالت الملائكة يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة فقال الله تعالى أما تعرفون ذلك قالوا يا رب ومن هو قال عز وجل عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قالوا يا رب أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء قال بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وانا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول طرح بالعراء وأنبت الله عز وجل عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة الدباء قال ابا هريرة رضي الله عنه وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشخاش الأرض أو قال هشهاش الأرض قال فتنفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره وهو

  فأنبت يقطينا عليه برحمة من الله لولا الله ألفي ضاحيا

  وقد تقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه مسندا مرفوعا في تفسير سورة الأنبياء ولهذا قال الله تعالى ( فنبذناه ) أي ألقيناه ( بالعراء ) قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء قيل على جانب دجلة وقيل بأرض اليمن فالله أعلم ( وهو سقيم ) أي ضعيف البدن قال ابن مسعود رضي الله عنه كهيئة الفرخ ليس عليه ريش وقال السدي كهيئة الصبي حين يولد وهو المنفوس وقاله ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد أيضا ( وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ) قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم اليقطين هو القرع وقال هشيم عن القاسم بن أبي ايوب عن سعيد بن جبير وكل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين وفي رواية عنه كل شجرة تهلك من عامها فهي اليقطين وذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000