الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 15-576 الجزء

الصفحة التالية

وقرأ بعضهم ( والله خلقكم وما تعملون ) فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا ( ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ) وكان من أخرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها ولهذا قال تعالى ( وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين )

الآيات ( الصافات 99 : 113 ) 

 يقول تعالى مخبرنا عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنه بعدما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين ) يعني اولادا مطيعين يكونون عوضا عن قومه وعشيرته الذين فارقهم قال الله تعالى ( فبشرناه بغلام حليم ) وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح إبنه وحيده وفي نسخة بكره فأقحموا ههنا كذبا وبهتانا إسحاق ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة وهو تأويل وتحريف باطل لا يقال وحيدك لمن ليس له غيره وأيضا فإن أول ولد له يعزه ماليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الإبتلاء والإختبار وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكى ذلك على طائف من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنه أيضا وليس ذلك في كتاب ولا سنة وما أظن ذلك تلقي إلا عن طريق أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلما من غير حجة وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) ولما بشر الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا ( إنا بشرناك بغلام عليم ) وقال تعالى ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) أي يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل وقد قدمنا هناك أن لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام وقوله تعالى ( فلما بلغ معه السعي ) أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران وينظر في أمرها وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك والله أعلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم ( فلما بلغ معه السعي ) بمعنى شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ) قال عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية ( قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ) وقد


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000