يقول تعالى ( ومن يعش ) أي يتعامى ويتغافل ويعرض ( عن ذكر الرحمن ) والعشا في العين ضعف بصرها والمراد ههنا عشا البصيرة ( نقيض له شيطانا فهو له قرين ) كقوله تعالى ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ) الآية وكقوله ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) وكقوله جل جلاله ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) الآية ولهذا قال تبارك وتعالى ههنا ( وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا ) أي هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم فإذا وافى الله عز وجل يوم القيامة يتبرأ من الشيطان الذي وكل به ( قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) وقرأ بعضهم ( حتى إذا جاءنا ) يعني القرين والمقارن قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سعيد الجريري قال بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده الشيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما تبارك وتعالى إلى النار فذلك حين يقول ( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) والمراد بالمشرقين ههنا هو مابين المشرق والمغرب وإنما استعمل ههنا تغليبا كما يقال القمران والعمران والأبوان قاله ابن جرير وغيره ثم قال تعالى ( ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) أي لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم وقوله جلت عظمته ( أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين ) أي ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ وليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحكم العدل في ذلك ثم قال تعالى ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) أي لابد أن ننتقم منهم ونعاقبهم ولو ذهبت أنت ( أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ) أي نحن قادرون على هذا وعلى هذا ولم يقبض الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أقر عينه من أعدائه وحكمه في نواصيهم وملكه ما تضمنته صياصيهم هذا معنى قول السدي واختاره ابن جرير وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا أبو ثور عن معمر قال تلا قتادة ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) فقال ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت النقمة ولم ير الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في أمته شيئا يكرهه حتى مضى ولم يكن نبي قط إلا قد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم قال وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته من بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله عز وجل وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه ثم روى ابن جرير عن الحسن نحو ذلك أيضا وفي الحديث النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فاذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ( م2531 ) ثم قال عز وجل ( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ) أي خذ بالقرآن المنزل على قلبك فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنات النعيم والخير الدائم المقيم ثم قال جل جلاله ( وإنه لذكر لك ولقومك ) قيل معناه لشرف لك ولقومك قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد واختاره ابن جرير ولم يحك سواه وأورد الترمذي ههنا حديث الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين رواه البخاري ( 7139 ) ومعناه أنه شرف لهم من حيث أنه أنزل بلغتهم فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعلمهم بمقتضاه وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخلص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم وقيل معناه ( وإنه
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |