الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 123-576 الجزء

الصفحة التالية

وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لجابر بن عبد الله رضي الله عنه ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا كذا جاء في الحديث وكان قد قتل يوم أحد ولكن هذا في عالم البرزخ والآية إنما هي في الدار الدنيا وقوله عز وجل ( أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) كما ينزل جبريل عليه الصلاة والسلام وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ( إنه علي حكيم ) فهو علي عليم خبير حكيم وقوله عز وجل ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) يعني القرآن ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) أي على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ( ولكن جعلناه ) أي القرآن ( نورا نهدي من نشاء من عبادنا ) كقوله تعالى ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) الآية وقوله تعالى ( وإنك ) أي يا محمد ( لتهدي إلى صراط مستقيم ) وهو الخلق القويم ثم فسره بقوله تعالى ( صراط الله ) أي شرعه الذي أمر به الله ( الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) أي ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما والحاكم الذي لامعقب لحكمه ( ألا إلى الله تصير الامور ) أي ترجع امور فيفصلها ويحكم فيها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا

( سورة الزخرف ) 

  الآيات ( الزخرف 1 : 8 ) 

 مقدمة تفسير سورة الزخرف بسم الله الرحمن الرحيم سورة الزخرف وهي

  مكية يقول تعالى ( حم والكتاب المبين ) أي البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس ولهذا قال تعالى ( إنا جعلناه ) أي أنزلناه ( قرآنا عربيا ) أي بلغة العرب فصيحا واضحا ( لعلكم تعقلون ) أي تفهمونه وتتدبرونه كما قال عز وجل ( بلسان عربي مبين ) وقوله تعالى ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) بين شرفه في الملإ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض فقال تعالى ( وإنه ) أي القرآن ( في أم الكتاب ) أي اللوح المحفوظ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد ( لدينا ) أي عندنا قاله قتادة وغيره ( لعلي ) أي ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل قاله قتادة ( حكيم ) أي محكم بريء من اللبس والزيغ وهذا كله تنبيه على شرفه وفضل كما قال تبارك وتعالى ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ) وقال تعالى ( كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ) ولهذا استنبط العلماء رضي الله عنه من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث إن صح لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملإ الأعلى فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى لأنه نزل عليهم وخطابه متوجه إليهم فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم والانقياد له بالقبول والتسليم لقوله تعالى ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) وقوله عز وجل ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) اختلف المفسرون في معناها فقيل معناها أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به قاله ابن عباس رضي الله عنهما وأبو صالح ومجاهد والسدي واختاره ابن جرير وقال قتادة في قوله تعالى ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك وقول قتادة لطيف المعنى جدا وحاصله أنه يقول في معناه أنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن وإن كانوا مسرفين معرضين عنه بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته وتقوم الحجة على من كتب شقاوته ثم قال جل وعلا مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم في


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000