والفواحش في سورة الأعراف ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) أي سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس ليس سجيتهم الانتقام من الناس وقد ثبت في الصحيح ( خ3560 م2327 ) أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله وفي حديث آخر ( خ6031 ) كان يقول لأحدنا عند المعتبة ماله تربت يمينه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن زائدة عن منصور عن إبراهيم قال كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا وقوله عز وجل ( والذين استجابوا لربهم ) أي اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره ( وأقاموا الصلاة ) وهي أعظم العبادات لله عز وجل ( وأمرهم شورى بينهم ) أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال تبارك وتعالى ( وشاورهم في الأمر ) الآية ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب رضي الله عنه الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه فاجتمع رأي الصحابة كلهم رضي الله عنه على تقديم عثمان عليهم رضي الله عنهم ( ومما رزقناهم ينفقون ) وذلك بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب وقوله عز وجل ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) أي فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لأخوته ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه وكما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل التنعيم فلما قدر عليهم من عليهم مع قدرته على الانتقام وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم فاستيقظ صلى الله عليه وسلم وهو في يديه صلتا فانتهره فوضعه من يده وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف في يده ودعا أصحابه ثم اعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه وكذلك عفا صلى الله عليه وسلم عن لبيد بن الأعصم الذي سحره عليه السلام ( خ3175 م2189 ) ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع قدرته عليه وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن المرأة اليهودية وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن سلمة التي سمت الذراع يوم خيبر فأخبره الذراع بذلك فدعاها فاعترفت فقال صلى الله عليه وسلم ما حملك على ذلك قالت أردت إن كنت نبيا لم يضرك وإن لم تكن نبيا استرحنا منك فأطلقها عليه الصلاة والسلام ( نحوه خ2617 م2190 ) ولكن لما مات منه بشر بن البراء رضي الله عنه قتلها به والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا والله سبحانه وتعالى أعلم
قوله تبارك وتعالى ( وجزاء سيئة مثلها ) كقوله تعالى ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم ) وكقوله ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) الآية فشرع العدل وهو القصاص وندب إلى الفضل وهو العفو كقوله جل وعلا ( والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ) ولهذا قال ههنا ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) أي لا يضيع ذلك عند الله كما صح ذلك في الحديث ( م2588 ) ومازاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزا وقوله تعالى ( إنه لا يحب الظالمين ) أي المعتدين وهو المبتدئ بالسيئة ثم قال جل وعلا ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) أي ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم قال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا ابن عون قال كنت أسأل عن الانتصار في قوله تعالى ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) فحدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه قال
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |