الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الرابع - صفحة 106-576 الجزء

الصفحة التالية

وعناد ومشاقة للحق ومسلك بعيد من الهدى ثم قال جل جلاله ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) أي سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقا منزلا من عند الله على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بدلائل خارجية ( في الآفاق ) من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان قال مجاهد والحسن والسدي ودلائل في أنفسهم قالوا وقعة بدر وفتح مكة ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم نصر الله فيها محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه وخذل فيها الباطل وحزبه ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى وكذلك ما هو مجبول عليه من الاخلاق المتباينة من حسن وقبح وغير ذلك وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله وقوته وحيله وحذره أن يجوزها ولا يتعداها كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه التفكر والاعتبار عن شيخه أبي جعفر القرشي حيث قال وأحسن المقال

 وإذا نظرت تريد معتبرا فانظر إليك ففيك معتبر

   أنت الذي تمسي وتصبح في ال دنيا وكل أموره عبر 

  أنت المصرف كان في صغر ثم استقل بشخصك الكبر

   أنت الذي تنعاه خلقته ينعاه منه الشعر والبشر 

  أنت الذي تعطى وتسلب لا ينجيه من أن يسلب الحذر

   أنت الذي لا شيء منه له وأحق منه بماله القدر 

وقوله تعالى ( حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) أي كفى بالله شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم وهو يشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق فيما أخبر به عنه كما قال ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) الآية وقوله تعالى ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ) أي في شك من قيام الساعة ولهذا لا يتفكرون فيه ولا يعملون له ولا يحذرون منه بل هو عندهم هدر لا يعبؤون به وهو كائن لا محالة وواقع لاريب فيه قال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا خلف بن تميم حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سعيد الأنصاري قال إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه صعد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق والمكذب به هالك ثم نزل ومعنى قوله رضي الله عنه أن المصدق به أحمق أي لأنه لا يعمل له عمل مثله ولا يحذر منه ولا يخاف من هوله وهو مع ذلك مصدق به موقن بوقوعه وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه فهو أحمق بهذا الاعتبار والأحمق في اللغة ضعيف العقل وقوله والمكذب هالك هذا واضح والله أعلم ثم قال تعالى مقررا أنه على كل شيء قدير وبكل شيء محيط وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه تبارك وتعالى ( ألا إنه بكل شيء محيط ) أي المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته وتحت على علمه وهو متصرف فيها كلها بحكمه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا إله إلا هو 

( سورة الشورى ) 

  الآيات ( الشورى 1 : 6 ) 

 مقدمة تفسير سورة الشورى بسم الله الرحمن الرحيم سورة الشورى وهي 

مكية قد تقدم الكلام عن الحروف المقطعة وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا منكرا فقال أخبرنا أحمد بن زهير حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن أرطأة بن المنذر قال جاء رجل


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000