الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 84-584 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( الكهف 32 : 36 ) 

  يقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين وأفتخروا عليهم بأموالهم وإحسانهم فضرب لهم ولهم مثلا برجلين جعل الله لأحدهما جنتين أي بستانين من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة في جنباتهما وفي خلالهما الزروع وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة ولهذا قال ( كلتا الجنتين آتت أكلها ) أي أخرجت ثمرها ( ولم تظلم منه شيئا ) أي ولم تنقص منه شيئا ( وفجرنا خلالهما نهرا ) أي والأنهار متفرقة فيهما ههنا وههنا ( وكان له ثمر ) قيل المراد به المال روى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وقيل الثمار وهو أظهر ههنا ويؤيده القراءة الأخرى ( وكان له ثمر ) بضم الثاء وتسكين الميم فيكون جمع ثمرة كخشبة وخشب وقرأ آخرون ( ثمر ) بفتح الثاء والميم فقال أي صاحب هاتين الجنتين ( لصاحبه وهو يحاوره ) أي يجادله ويخاصمه يفتخر عليه ويترأس ( أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) أي أكثر خدما وحشما وولدا قال قتادة تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر وقوله ( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ) أي بفكره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد ( قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا ) وذلك اغترار منه لما رأى فيهما من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها وكفره بالآخرة ولهذا قال ( وما أظن الساعة قائمة ) أي كائنة ( ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) أي ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا كما قال في الآية الأخرى ( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) وقال ( أفرايت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) أي في الدار الآخرة تألى على الله عز وجل وكان سبب نزولها في العاص بن وائل كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان 

الآيات ( الكهف 37 : 41 ) 

 يقول تعالى مخبرا عما أجابه به صاحبه المؤمن واعظا له وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والإغترار ( أكفرت بالذي خلقك من تراب ) الآية وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وأبتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين كما قال تعالى ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) الآية أي كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية كل أحد يعلمها من نفسه فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوما ثم وجد وليس وجوده من نفسه ولا مستندا إلى شيء من المخلوقات لأنه بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولهذا قال المؤمن ( لكنا هو الله ربي ) أي لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية ( ولا أشرك بربي أحدا ) أي بل هو الله المعبود وحده لا شريك له ثم قال


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000