الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 76-584 الجزء

الصفحة التالية

أن يكون خير مال أحدكم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ( خ19 ) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم وأختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله ( وإذ أعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ) أي وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله ففارقوهم أيضا بأبدانكم ( فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ) أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومك ( ويهيئ لكم من أمركم ) الذي أنتم فيه ( مرفقا ) أي أمرا ترتفقون به فعند ذلك خرجوا هرابا إلى الكهف فأووا إليه ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك فيقال إنه لم يظفر بهم وعمى الله عليه خبرهم كما فعل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق حين لجآ إلى غار ثور وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى جزع الصديق في قوله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ( خ4663 م2381 ) وقد قال تعالى ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف وقد قيل إن قومهم ظفروا بهم ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه فقالوا ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعلوا ذلك وفي هذا نظر والله أعلم فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيا كما قال تعالى

الآيات ( الكهف 17 ) 

 فهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ( ذات اليمين ) أي يتقلص الفئ يمنة كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ( تزاور ) أي تميل وذلك أنها كلما أرتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان ولهذا قال ( وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ) أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية المشرق فدل على صحة ما قلناه وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب ولو كان من ناحية القبلة لما دخل منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب ولا تزاور الفئ يمينا ولا شمالا ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب فتعين ما ذكرناه ولله الحمد وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة تقرضهم تتركهم وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منها فهمه وتدبره ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا فتقدم عن ابن عباس أنه قال هو قريب من أيلة وقال ابن إسحاق هو عند نينوى وقيل ببلاد الروم وقيل ببلاد البلقاء والله أعلم بأي بلاد الله هو ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه فقد قال صلى الله عليه وسلم ما تركت شيئا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه فقال ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ) قال مالك عن زيد بن أسلم تميل ( ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ) أي في متسع منه داخلا بحيث لا تصيبهم إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم قاله ابن عباس ( ذلك من آيات الله ) حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم ولهذا قال تعالى ( ذلك من آيات الله ) ثم قال ( من يهد الله فهو المهتد ) الآية أي هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم فإنه من هداه الله أهتدى ومن أضله فلا هادي له 


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000