الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 60-584 الجزء

الصفحة التالية

يعني المدينة ( وأخرجني مخرج صدق ) يعني مكة وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهذا القول هو أشهر الأقوال وقال العوفي عن ابن عباس ( أدخلني مدخل صدق ) يعني الموت ( وأخرجنى مخرج صدق ) يعني الحياة بعد الموت وقيل غير ذلك من الأقوال والأول أصح وهو اختيار ابن جرير وقوله ( واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) قال الحسن البصري في تفسيرها وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له وقال قتادة فيها إن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله ولحدود الله ولفرائض الله ولإقامة دين الله فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم قال مجاهد سلطانا نصيرا حجة بينة واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة وهو الأرجح لأنه لابد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه ولهذا يقول تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) إلى قوله ( وأنزلنا الحديد ) الآية وفي الحديث إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد وهذا هو الواقع وقوله ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ) الآية تهديد ووعيد لكفار قريش فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لامرية فيه ولا قبل لهم به وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع وزهق باطلهم أي إضمحل وهلك فإن الباطل لاثبات له مع الحق ولا بقاء ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) وقال البخاري ( 4720 ) حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ( جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) وكذا رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع ( 2478 و 4287 ) ومسلم ( 1781 ) والترمذي ( 3138 ) والنسائي ( كبرى11428 ) كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به وكذا رواه عبد الرزاق عن ابن أبي نجيح به وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا زهير حدثنا شبابة حدثنا المغيرة حدثنا أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنما تعبد دون الله فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت على وجوهها وقال ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )

الآيات ( الاسراء 82 ) 

 يقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل فالقرآن يشفى من ذلك كله وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا والآفة من الكافر لا من القرآن كقوله تعالى ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) وقال تعالى ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) والآيات في ذلك كثيرة قال قتادة في قوله ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) إذا سمعه المؤمن إنتفع به وحفظه ووعاه ( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000