الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 559-584 الجزء

الصفحة التالية

الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومنه ورحمته لم تكن أعمالنا تساوي ذلك كما ثبت في الصحيح ( خ5673 م2816 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل ( لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا لغوب ) أي لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم والله أعلم فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا فسقط عنهم التكليف بدخولها وصاروا في راحة دائمة مستمرة قال الله تبارك وتعالى ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية )

الآيات ( فاطر 36 : 37 ) 

 لما ذكر تبارك وتعالى حال السعداء شرع في بيان ما للأشقياء فقال ( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ) كما قال تعالى ( لا يموت فيها ولا يحيى ) وثبت في صحيح مسلم ( 185 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون وقال عز وجل ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم ولكن لاسبيل إلى ذلك قال الله تعالى ( لايقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) كما قال عز وجل ( إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ) وقال جل وعلا ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) ثم قال تعالى ( كذلك نجزي كل كفور ) أي هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب الحق وقوله جلت عظمته ( وهم يصطرخون فيها ) أي ينادون فيها يجأرون إلى الله عز وجل بأصواتهم ( ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) أي يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول وقد علم الرب جل جلاله أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم كما قال تعالى مخبرا عنهم في قولهم ( فهل إلى مرد من سبيل ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ) أي لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه ولذا قال ههنا ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) أي أو ما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد ههنا فروي عن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهما أنه قال مقدار سبع عشرة سنة وقال قتادة اعلموا أن طول العمر حجة فنعوذ بالله أن نغتر بطول العمر قد نزلت هذه الآية ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة وكذا قال أبو غالب الشيباني وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن رجل عن وهب بن منبه في قوله تعالى ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) قال عشرين سنة وقال هشيم عن منصور عن زاذان عن الحسن في قوله تعالى ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) قال أربعين سنة وقال هشيم أيضا عن مجالد عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله عز وجل وهذه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما قال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) أربعون سنة هكذا رواه من هذا الوجه عن ابن عباس رضي الله عنهما به وهذا القول هو اختيار ابن جرير ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) ستون سنة فهذه الرواية أصح عن ابن عباس رضي الله عنهما وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضا لما ثبت


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000