الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 49-584 الجزء

الصفحة التالية

فلما سرى عنه قال والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ونزلت ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) وقرأ ثلاث آيات ونزلت ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) الآية ولهذا قال تعالى ( وما منعنا أن نرسل بالآيات ) أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك فإنه سهل علينا يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها كما قال الله تعالى في المائدة ( قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية ناقة تخرج من صخرة عينوها فدعا صالح عليه السلام ربه فأخرج لهم منها ناقة على ما سألوا فلما ظلموا بها أي كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله وعقروها فقال ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) ولهذا قال تعالى ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها ( فظلموا بها ) أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر وقوله تعالى ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) قال قتادة إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون ذكر لنا أن الكوفة وجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه فقال يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه وهكذا روى أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرات فقال عمر أحدثتم والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه ( خ1059 و 1044 م912 و 901 ) إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله عز وجل يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى ذكره ودعائه وإستغفاره ثم قال يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا

الآيات ( الاسراء 60 ) 

 يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرضا له على إبلاغ رسالته ومخبرا له بأنه قد عصمه من الناس فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته قال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) أي عصمك منهم وقوله ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) الآية قال البخاري ( 4716 ) حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) قال هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسرى به ( والشجرة الملعونة في القرآن ) شجرة الزقوم وكذا رواه أحمد ( 1/221 ) وعبد الرزاق وغيرهما عن سفيان بن عيينة به وكذا رواه العوفي عن ابن عباس وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد وغير واحد وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستقصاة ولله الحمد والمنة وتقدم أن ناسا رجعوا عن دينهم بعد ما كانوا على الحق لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وجعل الله ذلك ثباتا ويقينا لآخرين ولهذا قال ( إلا فتنة ) أي إختبارا وإمتحانا وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل عليه لعائن الله هاتوا لنا تمرا وزبدا وجعل يأكل من هذا ويقول تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا حكى ذلك ابن عباس ومسروق وأبو مالك والحسن


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000