الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 409-584 الجزء

الصفحة التالية

كقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) ولهذا قال ( فابتغوا ) أي فأطلبوا ( عند الله الرزق ) أي كلوا من رزقه واعبدوه وحده واشكروا له على ما أنعم به عليكم ( إليه ترجعون ) أي يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله وقوله تعالى ( وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ) أي فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) يعني إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمر الله تعالى به من الرسالة والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء وقال قتادة في قوله ( وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ) قال يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول واعترض بهذا إلى قوله ( فما كان جواب قومه ) وهكذا نص على ذلك ابن جرير ( 20138 ) أيضا والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل عليه السلام يحتج عليهم لإثبات المعاد لقوله بعد هذا كله ( فما كان جواب قومه ) والله أعلم

الآيات ( العنكبوت 19 : 23 ) 

 يقول تعالى مخبرا عن الخليل عليه السلام أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذى ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين فالذى بدأ هذا قادر على إعادته فإنه سهل عليه يسير لديه ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات والأرضين وما فيها من مهاد وجبال وأودية وبرارى وقفار وأشجار وأنهار وثمار وبحار كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها وعلى وجود صانعها الفاعل المختار الذى يقول للشئ كن فيكون ولهذا قال ( أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ) كقوله تعالى ( وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) ثم قال تعالى ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) أي يوم القيامة ( إن الله على كل شيء قدير ) وهذا المقام شبيه بقوله تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) وكقوله تعالى ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ) وقوله تعالى ( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء ) أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة كما جاء في الحديث الذى رواه أهل السنن أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولهذا قال تعالى ( يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ) أي ترجعون يوم القيامة وقوله تعالى ( وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ) أي لا يعجزه أحد من أهل سمواته وأرضه بل هو القاهر فوق عباده فكل شيء خائف منه فقير إليه وهو الغني عما سواه ( وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه ) أي جحدوا وكفروا بالمعاد ( أولئك يئسوا من رحمتي ) أي لا نصيب لهم فيها ( وأولئك لهم عذاب أليم ) أي موجع في الدنيا والآخرة 


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000