الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 359-584 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( النمل 15 : 19 ) 

  يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه داودوابنه سليمان عليهما السلام من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة والصفات الجميلة وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة والملك والتمكين التام في الدنيا والنبوة والرسالة في الدين ولهذا قال تعالى ( ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ) قال ابن أبي حاتم ذكرعن إبراهيم بن يحيى بن هشام أخبرني أبي عن جدي قال كتب عمر بن عبد العزيز إن الله لم ينعم على عبده نعمة فيحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمه ولو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل قال الله تعالى ( ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ) فأي نعمة أفضل مما أوتى داود وسليمان عليهما السلام وقوله تعالى ( وورث سليمان داؤد ) أي في الملك والنبوة وليس المراد وراثة المال اذ لو كان ذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داودفانه قد كان لداود مئة إمرأة ولكن المراد بذلك الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ( خ4033 م1758 ) وقال ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) أي أخبر سليمان بنعم الله عليه فيما وهبه له من الملك التام والتمكين العظيم حتى أنه سخر له الانس والجن والطير وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا وهذا شيء لم يعطيه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر الله به رسوله ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داودكما قد يتفوه به كثير من الناس فهو قول بلا علم ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم ويعرف ما تقول وليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال ولكن الله سبحانه كان قد أفهم سليمان ما يتخاطب به الطيور في الهواء وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها ولهذا قال تعالى ( علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) أي مما يحتاج إليه الملك ( إن هذا لهو الفضل المبين ) أي الظاهر البين لله علينا قال الإمام أحمد ( 2/419 ) حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان داودعليه السلام فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع قال فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب فأقبلت إمرأة تطلع إلى الدار فاذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة والله لنفتضحن بداودفجاء داودعليه السلام فاذا الرجل قائم وسط الدار فقال له داودمن أنت فقال الذي لا يهاب الملوك ولا يمتنع من الحجاب فقال داودأنت إذا والله ملك الموت مرحبا بأمر الله فتزمل داود مكانه حتى قبضت نفسه حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس فقال سليمان عليه السلام للطير أظلي داودفظللت عليه الطير حتى أظلمت عليه الأرض فقال لها سليمان اقبضي جناحا جناحا قال أبو هريرة يا رسول الله كيف فعلت الطير فقبض رسول الله عليه الصلاة والسلام يده وغلبت عليه يومئذ المضرحية قال أبو الفرج ابن الجوزي المضرحية هى النسور الحمراء وقوله تعالى ( وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون ) أي وجمع لسليمان جنوده من الجن والانس والطير يعني ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الانس وكانوا هم الذين يلونه والجن وهم بعدهم في المنزلة والطير ومنزلتها فوق رأسه فان كان حر أظلته منه بأجنحتها وقوله ( فهم يوزعون ) أي يكف أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له قال مجاهد جعل على كل صنف وزعة يردون أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما يفعل الملوك اليوم وقوله


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000