في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم قال سعيد بن جبير عن ابن عباس ( ولا يأتونك بمثل ) أي بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول ( إلا جئناك بالحق ) الآية أي إلا نزل جبريل من الله تعالى بجوابهم وما هذا إلا اعتناء وكبر شرف للرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يأتيه الوحي من الله عز وجل بالقرآن صباحا ومساءا وليلا ونهارا سفرا وحضرا وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال الكتاب مما قبله من الكتب المتقدمة فهذا المقام أعلى وأجل وأعظم من سائر إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم نبي أرسله الله تعالى وقد جمع الله للقرآن الصفتين معا ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجما بحسب الوقائع والحوادث وروي النسائي ( كبرى11372 ) بإسناده عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة قال الله تعالى ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) وقال تعالى ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) ثم قال تعالى مخبرا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة وحشرهم إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات ( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا و أضل سبيلا ) وفي الصحيحين ( خ4760 م2806 ) عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة فقال إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين
يقول تعالى متوعدا من كذب رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من مشركي قومه ومن خالفه ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله فبدأ بذكر موسى وأنه بعثه وجعل معه أخاه هارون وزيرا أي نبيا موازرا ومؤيدا وناصرا فكذبهما فرعون وجنوده ( دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحا عليه السلام ومن كذب برسوله فقد كذب بجميع الرسل إذ لا فرق بين رسول ورسول ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبون ولهذا قال تعالى ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل ) ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز وجل ويحذرهم نقمه ( فما آمن معه إلا قليلا ) ولهذا أغرقهم الله جميعا ولم يبق منهم أحدا ولم يترك من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط ( وجعلناهم للناس آية ) أي عبرة يعتبرون بها كما قال تعالى ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ) أي وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار لتذكروا نعمة الله عليكم من إنجائكم من الغرق وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره وقوله تعالى ( وعادا وثمود وأصحاب الرس ) قد تقدم الكلام عن قصتهما في غير ما سورة كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة وأما أصحاب الرس فقال ابن جريج عن ابن عباس هم أهل قرية من قرى ثمود وقال ابن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس وقال قتادة فلج من قرى اليمامة وقال ابن أبي حاتم حددثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثني أبي حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله ( وأصحاب الرس ) قال بئر بأذربيجان وقال الثوري عن أبي بكير عن عكرمة الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها وقال محمد بن إسحق عن محمد بن كعب
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |