الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 249-584 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( المومنون 57 : 61 ) 

 تعالى ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجلون من مكره بهم كما قال الحسن البصري إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة وإن المنافق جمع إساءة وأمنا ( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ) أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية كقوله تعالى إخبارا عن مريم عليها السلام ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه ) أي أيقنت أن ما كان إنما هو عن قدر الله وقضائه وماشرعه الله فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه وإن كان خيرا فهو حق كما قال الله ( والذين هم بربهم لا يشركون ) أي لا يعبدون معه غيره بل يوحدونه ويعلمون أنه لاإله إلا الله أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه لا نظير له ولا كفء له وقوله ( والذين يؤتون ماآتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء وهذا منباب الإشفاق والاحتياط كما قال الإمام أحمد ( 6/159 ) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا مالك بن مغول حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة أنها قالت يا رسول الله الذين يؤتون ماآتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل قال لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل وهكذا رواه الترمذي ( 3175 ) وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مغول به بنحوه وقال لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون وصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم ( أولئك يسارعون في الخيرات ) وقال الترمذي وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية وقد قرأ آخرون هذه الآية ( والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة ) أي يفعلون ما يفعلون وهم خائفون وروي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قرأها كذلك قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا صخر بن جويرية حدثنا إسماعيل المكي حدثنا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقالت مرحبا بأبي عاصم ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا فقال أخشى أن أملل فقالت ماكنت لتفعل قال جئتك لأسألك عن آية من كتاب الله عز وجل كيف كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرؤها قال أية آية قال ( الذين يؤتون ماآتوا ) ( والذين يأتون ما أتوا ) فقالت أيهما أحب إليك فقلت والذي نفسي بيده لأحدهما أحب الي من الدنيا جميعا أو الدنيا وما فيها قالت وما هي فقلت ( الذين يأتون ما أتوا ) فقالت أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف والمعنى على القراءة الأولى وهي قراءة الجمهور السبعة وغيرهم أظهر لأنه قال ( أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) فجعلهم من السابقين ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين والله أعلم 

الآيات ( المومنون 62 : 67 )

  يقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها إلا ما تطيق حمله والقيام به وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم مسطور لا يضيع منه شيء ولهذا قال ( ولدينا كتاب ينطق بالحق ) يعني كتاب الأعمال ( وهم لا يظلمون ) أي لا يبخسون من الخير شيئا وأما السيئات فيعفو


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000