الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 24-584 الجزء

الصفحة التالية

مقربوها وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم حتى مر بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليل في السابعة ثم جاوز منزلتيهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء حتى إنتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام أي أقلام القدر بما هو كائن ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق ورأى البيت المعمور وإبراهيم الخيل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه لأنه الكعبة السماوية يدخل كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة ويحتمل أنها الصبح من يومئذ ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا وهو يخبر بهم وهذا هو اللائق لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام في ذلك ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس والله سبحانه وتعالى أعلم وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت المقدس وجاء أنه في السماء ويحتمل أن يكون ههنا وههنا لأنه كالضيافة للقادم والله أعلم ثم اختلف الناس هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط على قولين فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما ولا ينكرون أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعد يقظة لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح والدليل على هذا قوله تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال ( أسرى بعبده ليلا ) وقد قال تعالى ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم رواه البخاري ( 4716 ) وقال تعالى ( ما زاغ البصر وما طغى ) والبصر من آلات الذات لا الروح وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركاتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم وقال آخرون بل أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه لا بجسده قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة ( 2/46 ) حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانت رؤيا من الله صادقة وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أسرى بروحه قال ابن إسحاق فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن أن هذه الآية نزلت ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) ولقول الله في الخبر عن إبراهيم ( إني أرى في المنام أني أذبحك فأنظر ماذا ترى ) قال ثم مضى على ذلك فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظا ونياما فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تنام عيناي وقلبي يقظان ( خ1147 م738 ) والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق وصدق إنتهى كلام ابن إسحاق وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن وذكر من الأدلة على رده بعد ما تقدم والله أعلم

[ فائدة حسنة جليلة

روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمرو بن عبد الله عن محمد بن كعب القرظي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة إلى قيصر فذكر وروده عليه وقدومه إليه وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000