الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 179-584 الجزء

الصفحة التالية

( وهم عن آياتها معرضون ) كقوله ( وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) أي لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الإتساع العظيم والارتفاع الباهر وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها وقد ذكر ابن أبي الدنيا رحمه الله في كتابه التفكر والأعتبار أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة فلم ير ذلك الرجل شيئا مما كان يحصل لغيره فشكى ذلك إلى أمه فقالت له يابني فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه فقال لا والله ما أعلمه قالت فلعلك هممت قال لا ولا هممت قالت فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر فقال نعم كثيرا قالت فمن ههنا أتيت ثم قال منبها عن بعض آياته ( وهو الذي خلق الليل والنهار ) أي هذا في ظلامه وسكونه وهذا بضيائه وأنسه يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه الآخر ( والشمس والقمر ) هذه لها نور يخصها وفلك بذاته وزمان على حدة وحركة وسير خاص وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر ( وكل في فلك يسبحون ) أي يدورون قال ابن عباس يدورون كما يدور المغزل في الفلكة قال مجاهد فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن كما قال تعالى ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم )

الآيات ( الانبياء 34 : 35 ) 

 يقول تعالى ( وما جعلنا لبشر من قبلك ) أي يامحمد ( الخلد ) أي في الدنيا بل ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام مات وليس بحي إلى الآن لأنه بشر سواء كان وليا أو نبيا أو رسولا وقد قال تعالى ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) وقوله ( أفإن مت ) أي يا محمد ( فهم الخالدون ) أي يؤملون أن يعيشوا بعدك لا يكون هذا بل كل إلى الفناء ولهذا قال تعالى ( كل نفس ذائقة الموت ) وقد روى عن الشافعي رحمه الله أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين 

 تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد 

  فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد 

وقوله ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) أي نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى فننظر من يشكر ومن يكفر ومن يصبر ومن يقنط كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ونبلوكم يقول نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة والمعصية والهدى والضلال وقوله ( وإلينا ترجعون ) أي فنجازيكم بأعمالكم 

الآيات ( الانبياء 36 : 37 ) 

 يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ( وإذا رآك الذين كفروا ) يعني كفار قريش كأبي جهل وأشباهه ( إن يتخذونك إلا هزوا ) أي يستهزئون بك وينتقصونك يقولون ( أهذا الذي يذكر آلهتكم ) يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم قال تعالى ( وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) أي وهم كافرون بالله ومع هذا يستهزئون برسول الله كما قال في الآية الأخرى ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ) وقوله ( خلق الإنسان من عجل ) كما قال في الآية الأخرى ( وكان الإنسان عجولا ) أي في الأمور قال مجاهد خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار من يوم خلق


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000