الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثالث - صفحة 159-584 الجزء

الصفحة التالية

وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها وإنما كانت حيلة وكانوا جمعا غفيرا وجمعا كثيرا فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضا وقوله ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقى ما في يمينه فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألق ما في يمينك يعني عصاك فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة فقامت المعجزة واتضح البرهان ووقع الحق وبطل السحر ولهذا قال تعالى ( إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حما بن خالد بن معاذ أحسبه الصائغ عن الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أخذتم يعني الساحر فاقتلوه ثم قرأ ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) قال لا يؤمن حيث وجد وقد روى أصله الترمذي ( 1460 ) موقوفا ومرفوعا فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل وأنه حق لا مرية فيه ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون فعند ذلك وقعوا سجدا لله وقالوا ( آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير كانوا أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء بررة وقال محمد بن كعب كانوا ثمانين ألفا وقال القاسم بن أبي بزة كانوا سبعين ألفا وقال السدي بضعة وثلاثين ألفا وقال الثوري بن عبد العزيز ابن رفيع عن أبي ثمامة كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفا وقال محمد بن إسحاق كانوا خمسة عشر ألفا وقال كعب الأحبار كانوا إثني عشر ألفا وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن علي بن حمزة حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس كانت السحرة سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا المسيب بن واضح بمكة حدثنا ابن المبارك قال قال الأوزاعي لما خر السحرة سجدا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها قال وذكر عن سعيد بن سلام حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سلمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله ( وألقي السحرة سجدا ) قال رأوا منازلهم تبين لهم وهم في سجودهم وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة

الآيات ( طه 71 : 73 ) 

 يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغلب كل الغلب شرع في المكابرة والبهت وعدل إلى إستعمال جاهه وسلطانه في السحرة فتهددهم وتوعدهم وقال ( آمنتم له ) أي صدقتموه ( قبل أن آذن لكم ) أي وما أمرتكم بذلك وأفتتم علي في ذلك وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى وأتفقتم أنتم وإياه علي رعيتي لتظهروه كما قال تعالى في الآية الأخرى ( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) ثم أخذ يتهددهم فقال ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي لأجعلنكم مثلة ولأقتلنكم ولأشهرنكم قال ابن عباس فكان


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000