بالغيب ) يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرا وجهرا لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو جهره كما قال تعالى ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ) وقوله ها هنا ( فمن اعتدى بعد ذلك ) قال السدي وغيره يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم ( فله عذاب أليم ) أي مخالفته أمر الله وشرعه ثم قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام ونهى عن تعاطيه فيه وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره فأما غير المأكول من حيوانات البر فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها والجمهور على تحريم قتلها أيضا ولا يستثنى من ذلك إلا ماثبت في الصحيحين ( خ 1829 م 1198 ) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب والعقور وقال مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب والعقور أخرجاه ( خ 1826 م 1199 ) ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله ( م 1199 ) قال أيوب فقلت لنافع فالحية قال الحية لاشك فيها ولايختلف في قتلها ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد لأنها أشد ضررا منه فالله أعلم وقال زيد ابن أسلم وسفيان بن عيينة الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا عتبة بن أبي لهب قال اللهم سلط عليه كلبك بالشام فأكله السبع بالزرقاء قالوا فإن قتل ماعداهن فداه كالضبع والثعلب والوبر ونحو ذلك قال مالك وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها وصغار الملحق بها من السباع العوادي وقال الشافعي يجوز للمحرم قتل كل مالايؤكل لحمه ولا فرق بين صغاره وكباره وجعلة العلة الجامعة كونها لا تؤكل وقال أبو حنيفة يقتل المحرم الكلب العقور والذئب لأنه كلب بري فإن قتل غيرهما فداه إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيي وقال زفر بن الهذيل يفدى ما يسوي ذلك وإن صال عليه وقال بعض الناس المراد بالغراب ها هنا الأبقع وهو الذي في بطنه وظهره بياض دون الأدرع وهو الأسود والأعصم وهو الأبيض لما رواه النسائي ( 5/188 ) عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى القطان عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال خمس يقتلهن المحرم الحية والفأرة والحدأة والغراب الأبقع والكلب العقور ( م 1196 ) والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه وقال مالك رحمه الله لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه وقال مجاهد بن جبر وطائفة لا يقتله بل يرميه ويروى مثله عن علي وقد روى هشيم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما يقتل المحرم فقال الحية والعقرب والفويسقة ويرمي الغراب ولا يقتله والكلب العقور والحدأة والسبع العادي رواه أبو داود ( 1848 ) عن أحمد بن حنبل والترمذي ( 838 ) عن أحمد بن منيع كلاهما عن هشيم وابن ماجة ( 3089 ) عن أبي كريب عن محمد بن فضيل كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به وقال الترمذي هذا حديث حسن وقوله تعالى ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ) قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن علية عن أيوب قال نبئت عن طاوس أنه قال لا يحكم علي من أصاب صيدا خطأ إنما يحكم على من أصابه متعمدا وهذا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية وقال مجاهد بن جبير المراد بالمتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد الناسي لإحرامه فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه فذاك أمره أعظم من أن يكفر وقد بطل إحرامه رواه ابن جرير عنه من طريق ابن أبي نجيح وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه وهو قول غريب أيضا والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه وقال الزهري دل الكتاب على العامد وجرت السنة على الناسي ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله ( ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ) وجاءت السنة من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد وأيضا فإن قتل الصيد إتلاف والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان لكن المنعمد مأثوم والمخطئ غير ملوم وقوله تعالى
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |