الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 89-594 الجزء

الصفحة التالية

أو شيئا من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين كما إذا التزم تركه باليمين فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه كما أفتى بذلك ابن عباس وكما في قوله تعالى ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ) ثم قال ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) الآية وكذلك هاهنا لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير والله أعلم وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا حجاج عن ابن جريح عن مجاهد قال أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح فنزلت هذه الآية إلى قوله ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) قال ابن جريج عن عكرمة أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسموح وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل وهموا بالاخصاء وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار فنزلت هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولاتعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) يقول لا تسيروا بغير سنة المسلمين يريد ماحرموا من النساء والطعام واللباس وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار وما هموا به من الإخصاء فلما نزلت فيهم بعث اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن لأنفسكم حقا وإن لأعينكم حقا صوموا وأفطروا وصلوا وناموا فليس منا من ترك سنتنا فقالوا اللهم سلمنا وأتبعنا ما أنزلت وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين كما تقدم ذلك ولله الحمد والمنة وقال أسباط عن السدي في قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما فذكر الناس ثم قال ولم يزدهم على التخويف فقال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون ما خفنا إن لم نحدث عملا فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك وأن يأكل بالنهار وحرم بعضهم النور وحرم بعضهم النساء فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء فكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه فأتت امرأته عائشة رضي الله عنها وكان يقال لها الحولاء فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مابالك ياحولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تتطيبين فقالت وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع علي زوجي وما رفع عني ثوبا منذ كذا وكذا قال فجعلن يضحكن من كلامها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن فقال ما يضحككن قالت يا رسول الله إن الحولاء سألتها عن أمرها فقالت مارفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا فأرسل إليه فدعاه فقال مالك ياعثمان قال إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة وقص عليه أمره وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك فقال يا رسول الله إني صائم فقال أفطر قال فأفطر وأتى أهله فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت فضحكت عائشة وقالت مالك ياحولاء فقالت إنه أتاها أمس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مابال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء فمن رغب عني فليس مني فنزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ولا تعتدوا ) يقول لعثمان لا تجب نفسك فإن هذا هو الإعتداء وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم فقال ( لايؤخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) رواه ابن جرير وقوله تعالى ( ولا تعتدوا ) يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله من السلف ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولاتجاوزوا الحد فيه كما قال تعالى ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) الآية وقال ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه لا إفراط ولا تفريط ولهذا قال ( لاتحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) ثم قال ( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ) أي في حال كونه حلالا طيبا ( واتقوا الله ) أي في جميع أموركم واتبعوا طاعته ورضوانه واتركوا مخالفته وعصيانه ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون )


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000