الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 77-594 الجزء

الصفحة التالية

نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء وكفرا أي تكذيبا كما قال تعالى ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) وقال تعالى ( وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين لا يزيد الظالمين إلا خسارا ) وقوله تعالى ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) يعني أنه لا تجتمع قلوبهم بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائما لأنهم لا يجتمعون على حق وقد خالفوك وكذبوك وقال إبراهيم النخعي وألقينا بينهم العداوة والبغضاء قال الخصومات والجدال في الدين رواه ابن أبي حاتم وقوله ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) أي كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها أبطلها الله ورد كيدهم عليهم وحاق مكرهم السيئ بهم ( ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) أي من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض والله لا يحب من هذه صفته ثم قال جل وعلا ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ) أي لو أنهم آمنوا بالله ورسوله واتقوا ماكانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم ( لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ) أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ) قال ابن عباس وغيره هو القرآن ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ماهي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى مابعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لامحالة وقوله تعالى ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ( لأكلوا من فوقهم ) يعني لأرسل الله عليهم مدرارا ( ومن تحت أرجلهم ) يعني يخرج من الأرض بركاتها وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي كما قال تعالى ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) الآية وقال تعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) الآية وقال بعضهم معناه ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء وقال ابن جرير قال بعضهم معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل هو في الخير من قرنه إلى قدمه ثم رد هذا القول لمخالفته أقوال السلف وقد ذكر ابن أبي حاتم عن قوله ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ) فقال حدثنا علقمة عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوشك أن يرفع العلم فقال زياد بن لبيد يا رسول الله وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا فقال ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله ثم قرأ ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ) هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقا من أول إسناده مرسلا في آخره وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل ( 4/160 ) متصلا موصولا فقال حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن زيادة بن لبيد أنه قال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال وذاك عند ذهاب العلم قال قلنا يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا وأبناؤنا يقرؤنه أبناءهم إلى يوم القيامة فقال ثكلتك أمك يابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤن التوراة والإنجيل ولا ينتفعون بما فيهما من شيء هكذا رواه ابن ماجة ( 4048 ) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع به نحوه وهذا إسناد صحيح وقوله تعالى ( منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) كقوله ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) وكقوله عن اتباع عيسى ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) الآية فجعل أعلى مقاماتهم الإقتصاد وهو أبسط مقامات هذه الأمة وفوق ذلك رتبة السابقين كما في قوله عز وجل ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفيناه من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بأذن الله هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها ) الآية والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة وقد قال أبو بكر بن مردويه حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا أحمد بن يونس الضبي حدثنا عاصم بن علي حدثنا


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000