الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 73-594 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( المائده 57 : 58 ) 

 تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي يتخذونها هزوا يستهزئون بها ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد وفكرهم البارد كما قال القائل 

 وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم 

وقوله تعالى ( من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار ) من ها هنا لبيان الجنس كقوله ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) وقرأ بعضهم والكفار بالخفض عطفا وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول ( لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) تقديره ولا ( الكفار أولياء ) أي لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء والمراد بالكفار ها هنا المشركون وكذا وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير ( لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ) وقوله ( واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) أي اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء إن كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا كما قال تعالى ( لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير ) وقوله ( وإذا ناديتهم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) أي وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ( اتخذوها ) أيضا هزوا ( هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) معاني عبادة الله وشرائعه وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص أي ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين أقبل فإذا ثوب للصلاة أدبر فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه فيقول اذكر كذا أذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل السلام متفق عليه ( خ 608 م 389 ) وقال الزهري قد ذكر الله التأذين في كتابه فقال ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) رواه أبي حاتم وقال أسباط عن السدي في قوله ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) قال كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع اللمنادي ينادي أشهد أن محمدا رسول الله قال حرق الكذاب فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة ( 4/80 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب بن أسيد لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه وقال الحارث بن هشام أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته فقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب نشهد أنك رسول الله مااطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك وقال الإمام أحمد ( 3/408 ) حدثنا روح بن عبادة حدثنا ابن جريج أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره وكان يتيما في حجر أبي محذورة قال قلت لأبي محذورة ياعم إني خارج إلى الشام وأخشى أن أسأل عن تأذينك فأخبرني أن أبا محذورة قال له نعم خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين مقفل رسول الله صل الله عليه وسلم من حنين فلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صل الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صل الله عليه وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه ونستهزئ به فسمع رسول الله صل الله عليه وسلم فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع فأشار القوم كلهم إلي وصدقوا فأرسل كلهم وحبسني وقال قم فأذن فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به فقمت بين


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000