الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 56-594 الجزء

الصفحة التالية

أن ابن مسعود كان يقرؤها ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ) وهذه قراءة شاذة وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقا لها لا بها بل هو مستفاد من دليل آخر وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر كما سنذكره إن شاء الله تعالى كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقديرها على ماكانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح ويقال إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش قطعوا رجلا يقال له دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة كان قد سرق كنز الكعبة ويقال سرقه قوم فوضعوه عنده

حد السرقة 

 وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به سواء كان قليلا أو كثيرا لعموم هذه الآية ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) فلم يعتبروا نصابا ولا حرزا بل أخذوا بمجرد السرقة وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن عن نجدة الحنفي قال سألت ابن عباس عن قوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) أخاص أم عام فقال بل عام وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء ويحتمل غير ذلك فالله أعلم وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين ( خ 6883 م 1687 ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة فعند الإمام مالك بن أنس رحمه الله النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم أخرجاه في الصحيحين ( خ 6795 م 1686 ) قال مالك رحمه الله ( 2/832 ) وقطع عثمان رضي الله عنه في أترجة قومت بثلاثة دراهم وهو أحب ما سمعت في ذلك وهذا الأثر عن عثمان رضي الله عنه قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقا سرق في زمن عثمان أترجة فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم صرف اثني عشر درهما فقطع عثمان يده فقال أصحاب مالك ومثل هذا الصنيع يشتهر ولم ينكر فمن مثله يحكى الإجماع السكوتي وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لابد من عشرة دراهم وللشافعية في اعتبار ربع دينار والله أعلم وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الإعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا أو الحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ( 6789 ) ومسلم ( 1684 ) من طريق الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا ولمسلم ( 1684 ) من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا قال أصحابنا فهذا الحديث فاصل في المسألة ونص في اعتبار ربع دينار لا ما ساواه وقال وحديث ثمن المجن وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما فهي ثمن ربع دينار فأمكن الجمع بهذا الطريق ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه وإسحاق بن راهويه في رواية عنه وأبو ثور وداود بن علي الظاهري رحمهم الله وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه إلى أن كل واحد من ربع دينار والثلاثة دراهم مرد شرعي فمن سرق واحدا منهما أو يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة رضي الله عنها ووقع في لفظ عند الإمام أحمد ( 6/80 ) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقطعوا في ربع دينار ولاتقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وكان الربع دينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهما وفي لفظ النسائي ( 8/80 ) لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن قيل لعائشة ماثمن المجن قالت ربع دينار فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم والله أعلم وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه وأبو يوسف ومحمد وزفر وكذا سفيان الثوري رحمهم الله فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثمنه عشرة دراهم وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة ( 9/474 ) حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى حدثنا محمد بن إسحاق عن


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000