الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 53-594 الجزء

الصفحة التالية

جازيتهم به في الدنيا والعقوبة التي عاقبتهم بها في الدنيا عذاب عظيم يعني عذاب جهنم وقوله تعالى ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) أما على قوله من قال إنها في أهل الشرك فظاهر وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم إنتحام القتل والصلب وقطع الرجل وهل يسقط قطع اليد أم لا فيه قولان للعلماء وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشعبي قال كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة وكان قد أفسد في الأرض وحارب فكلم رجالا من قريش منهم الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال يا أمير المؤمنين من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فقرأ حتى بلغ ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) قال فكتب له أمانا قال سعيد بن قيس فإنه جارية ابن بدر وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي به وزاد فقال حارثة بن بدر

 ألا بلغن همدان أما لقيتها على النأي لا يسلم عدو يعيبها

   لعمر أبيها إن همدان تتقي الإ له ويقضي بالكتاب خطيبها 

وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري عن السدي ومن طريق أشعث كلاهما عن عامر الشعبي قال جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة إمارة عثمان رضي الله عنه بعدما صلى المكتوبة فقال يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك أنا فلان ابن فلان المرادي وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا وإني أتيت من قبل أن تقدروا علي فقال أبو موسى فقال إن هذا فلان ابن فلان وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير فإن يك صادقا فسبيل من صدق وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه فأقام الرجل ما شاء الله ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله ثم قال ابن جرير حدثني علي حدثنا الوليد بن مسلم قال قال الليث وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني وهو الأمير عندنا أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال فطلبه الأئمة والعامة فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبا وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية ( ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) فوقف عليه فقال ياعبد الله أعد قرائتها فأعادها عليه فغمد سيفه ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر فاغتسل ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه فلما أسفروا عرفه الناس فقاموا إليه فقال لاسبيل لكم علي جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي فقال أبو هريرة صدق وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال هذا علي جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولاقتل فترك من ذلك كله قال وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر فلقوا الروم فقرنوا سفينة إلى سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر فمالت به وبهم فغرقوا جميعا 

الآيات ( المائده 35 : 37 ) 

 يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الإنكفاف عن المحارم وترك المنهيات وقد قال بعدها ( وابتغوا إليه الوسيلة ) قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن أبن عباس أي القربة وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد وقال قتادة أي تقربوا اليه بطاعته والعمل بما يرضيه وقرأ ابن زيد ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لاخلاف بين المفسرين فيه وأنشد عليه ابن جرير قول الشاعر 


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000