أبو جعفر ابن جرير وحكى مثله عن مالك بن أنس رحمه الله ومستند هذا القول أن ظاهرا وللتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله في جزاء الصيد ( فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) وكقوله في كفارة الفدية ( فمن كان منكم مرضا أو به من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) وكقوله في كفارة اليمين ( فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ) هذه كلها على التخيير فكذلك فلتمكن هذه الآية وقال الجمهور هذه الآية منزلة على أحوال كما قال أبو عبد الله الشافعي أنبأنا إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج بن عطية عن ابن عباس بنحوه وعن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخرساني ونحو ذلك وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة واختلفوا هل يصلب حيا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب أو يقتله برمح أو نحوه أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يسيل صديده في ذلك كله خلاف محرر في موضعه وبالله الثقة وعليه التكلان ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده فقال حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن المروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة قال أنس فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام قال أنس فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب فقال من سرق مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه وأما قوله تعالى ( أو ينفوا من الأرض ) قال بعضهم هو أن يطلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام رواه ابن جرير عن ابن عباس وأنس بن مالك وسعيد بن جبير والضحاك والربيع بن أنس والزهري واليث بن سعد ومالك بن أنس وقال آخرون هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية وقال الشعبي ينفيه كما قال ابن هبيرة من عمله كله وقال عطاء الخرساني ينفى من جند إلى جند سنين ولا يخرج من دار الإسلام وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء والحسن والزهري والضحاك ومقاتل بن حيان أنه ينفى ولايخرج من أرض الإسلام وقال آخرون المراد بالنفي ها هنا السجن وهو قول أبي حنيفة وأصحابه واختار ابن جرير أن المراد بالنفي ها هنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه وقوله تعالى ( ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) اي هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا مع ماادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة وهذا يؤيد قول من قال إنها نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم ( خ 18 م 1709 ) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضا فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه وعن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء فقد عفا عنه رواه الإمام أحمد ( 1/99 ) والترمذي ( 2626 ) وابن ماجة ( 2604 ) وقال الترمذي حسن غريب وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث فقال روي مرفوعا وموقوفا قال ورفعه صحيح وقال ابن جرير في قوله ( ذلك لهم خزي في الدنيا ) يعني شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) أي إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا في الآخرة مع الجزاء الذي
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |