الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 509-594 الجزء

الصفحة التالية

ملك ( م1185 ) وكما أخبر تعالى عنهم في قوله ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) ( وكم من ملك في السماوات ) الآية وقال ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) فإذا كان الجميع عبيدا فلم يعبد بعضهم بعضا بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الرأي والاختراع والابتداع ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم وخالفوهم فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ( ولا يظلم ربك أحدا )

الآيات ( الرعد 17 ) 

 اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه والباطل في اضمحلاله وفنائه فقال تعالى ( أنزل من السماء ماء ) أي مطرا ( فسالت أودية بقدرها ) أي أخذ كل واد بحسبه فهذا كبير وسع كثيرا من الماء وهذا صغير وسع بقدره وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها فمنها ما يسع علما كثيرا ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه هذا مثل وقوله ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ) الآية هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية أي ليجعل حلية أو نحاسا أو حديدا فيجعل متاعا فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه ( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) أي إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة ونحوهما مما يسبك في النار بل يذهب ويضمحل ولهذا قال ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) أي لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به ولهذا قال ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) كقوله تعالى ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) وقال بعض السلف كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي لأن الله تعالى يقول ( وما يعقلها إلا العالمون ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) الآية هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها فأما الشك فلا ينفع معه العمل وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله ( فأما الزبد ) وهو الشك ( فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) وهو اليقين وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك وقال العوفي عن ابن عباس قوله ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ) يقول احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ( ومما توقدون عليه في النار ) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد فللنحاس والحديد خبث فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله والعمل السيء يضمحل عن أهله كما يذهب هذا الزبد وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله فمن عمل بالحق كان له وبقي كما بقي ما ينفع الناس في الأرض وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه ويخرج جيده فينتفع به فكذلك يضمحل الباطل فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال فيزيغ الباطل ويهلك وينتفع أهل الحق بالحق وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة وغير واحد من السلف والخلف وقد ضرب سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا وهما قوله ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ) الآية ثم قال ( أو كصيب من


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000