الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 44-594 الجزء

الصفحة التالية

إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه قال له أبوه يا بنيقرب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما تقبل قربانه فو أحق بها وكان قابيل على بذر الأرض وكان هابيل على رعاية الماشية فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وبعضهم يقول قرب بقرة فأرسل الله نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله رواه ابن جرير وروى العوفي عن ابن عباس قال من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فتأكله وإن لم يكن رضيه الله خبت النار فقربا قربانا وكان أحدهما راعيا وكان الآخر حراثا وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها وقر الآخر بعض زرعه فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع وإن ابن آدم قال لأخيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي فلا والله لا ينظر الناس الي وأنت خير مني فقال لأقتلك فقال له أخوه ماذنبي إنما يتقبل الله من المتقين رواه ابن جرير فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لاعن سبب ولا عن تدارئ في امرأة كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن ( إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ) فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده بقبوله قربانه دونه ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو قابيل وأنه تقبل من هابيل شأنه حتى قال ابن عباس وغيره إنها الكبش الذي فدى به الذبيح وهو مناسب والله أعلم ولم يتقبل من قابيل كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضا ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه وهذا خلاف المشهور ولعله لم يحفظ عنه جيدا والله أعلم

ومعنى قوله ( إنما يتقبل الله من المتقين ) أي ممن اتقى الله في فعله ذلك وقال ابن أبي حاتم حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني صفوان بن عمرو عن تميم يعني ابن مالك المقرئ قال سمعت أبا الدرداء يقول لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة وأحب إلي من الدنيا ما فيها إن الله يقول ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وحدثنا أبي حدثنا عبد الله بن عمران حدثنا إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون بن أبي حمزة قال كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل قال بلى سمعته يقول يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر قلت من المتقون قال قوم إتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة وقوله ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ) يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل عن غير ماذنب منه إليه ( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ( إني أخاف الله رب العالمين ) أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب قال عبد الله بن عمرو وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع ولهذا ثبت في الصحيحين ( خ 31 م 2888 ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تواجه المسلمون بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه وقال الإمام أحمد ( 1/185 ) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن عياش بن عباس عن بكير بن عبد الله عن بسر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني فقال كن كابن آدم وكذا رواه الترمذي ( 2194 ) عن قتيبة بن سعيد وقال هذا حديث حسن وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة ورواه بعضهم عن الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلا قال الحافظ ابن عساكر الرجل هو حسين الأشجعي قلت وقد رواه أبو داود ( 4257 ) من طريقه فقال حدثنا يزيد بن خالد الرملي حدثنا


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000