الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 429-594 الجزء

الصفحة التالية

لا من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين وفي هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل فالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام واستبشروا به وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه ولهذا لما بلغ هذا فرعون حذر كل الحذر فلم يجد عنه شيئا ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى و ( قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل ( على خوف من فرعون وملئهم ) أي وأشراف قومهم أن يفتنهم ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان سوى قارون فإنه كان من قوم موسى فبغى عليهم لكنه كان طاويا إلى فرعون متصلا به متعلقا بحباله ومن قال إن الضمير في قوله وملئهم عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه أو يحذف آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه فقد أبعد وإن كان ابن جرير قد حكاهما عن بعض النحاة ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين )

الآيات ( يونس 84 : 86 ) 

 يقول تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) أي فإن الله كاف من توكل عليه ( أليس الله بكاف عبده ) ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى ( فاعبده وتوكل عليه ) ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك ( فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) أي لا تظفرهم بنا وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك هكذا روي عن أبي مجلز وأبي الضحى وقال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد لا تعذبنا بأيدي آل فرعون ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنوا بنا وقال عبد الرزاق أنبأنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) لا تسلطهم علينا فيفتنونا وقوله ( ونجنا برحمتك ) أي خلصنا برحمة منك وإحسان ( من القوم الكافرين ) أي الذين كفروا الحق وستروه ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك 

الآيات ( يونس 87 ) 

 يذكر تعالى سبب انجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه وكيفية خلاصهم منهم وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يتبوآ أي يتخذا لقومهما بمصر بيوتا واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) فقال الثوري وغيره عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) قال أمروا أن يتخذوها مساجد وقال الثوري أيضا عن منصور عن إبراهيم ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) قال كانوا خا ئفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم وكذا قال مجاهد وأبو مالك والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبوه زيد ابن أسلم وكأن هذا والله أعلم لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم أمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ) وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى أخرجه أبو داود ( 1319 ) ولهذا قال تعالى في هذه الآية ( واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ) أي


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000