الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 419-594 الجزء

الصفحة التالية

ظهيرا ) ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في أول سورة هود ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) وكذا في سورة البقرة وهي مدنية تحداهم بسورة منه وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا فقال ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ) الآية هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له وأتبعهم له وأشدهم له انقيادا كما عرف السحرة بعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى عليه السلام لا يصدر إلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله وكذلك عيسى عليه السلام بعث في زمان علماء الطب معالجة المرضى فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ومثل هذا لامدخل للعلاج والدواء فيه فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله ولهذا جاء في الصحيح ( خ4981 م152 ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال مامن نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ماآمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا وقوله ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) يقول بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه ( ولما يأتهم تأويله ) أي ولم يحصلوا مافيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفها ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) أي من الأمم السالفة ( فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين ) أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وعلوا وكفرا وعنادا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم وقوله ( ومنهم من يؤمن به ) الآية أي ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يامحمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ( ومنهم من لا يؤمن به ) بل يموت على ذلك ويبعث عليه ( وربك أعلم بالمفسدين ) أي وهو ألعم بمن يستحق الهداية فيهديه ومن يستحق الضلالة فيضله وهو العادل الذي لا يجور بل يعطي كلا ما يستحقه تبارك وتعالى وتقدس وتنزه لاإله إلا هو

الآيات ( يونس 41 : 44 ) 

 يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإن كذبك هؤلاءالمشركون فتبرأ منهم ومن عملهم ( فقل لي عملي ولكم عملكم ) كقوله تعالى ( قل أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) إلى آخرها وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ) الآية وقوله ( ومنهم من يستمعون إليك ) أي يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان وفي هذا كفاية عظيمة ولكن ليس ذلك إليك ولا إليهم فإنك لا تقدر على إسماع الأصم وهو الأطرش فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاءالله ( ومنهم من ينظر إليك ) أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخلق العظيم والدلالة الظاهرة على نبوتك لأولي البصائر والنهى وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الإحتقار ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ) الآية ث م أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدا شيئا وإن كان قد هدى به من هدى وبصر به من العمى وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأضل به عن الإيمان آخرين فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء الذي لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون لعلمه وحكمته وعدله ولهذا قال تعالى ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) وفي الحديث عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000