الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 365-594 الجزء

الصفحة التالية

فقال ( ولو أنهم رضوا ماآتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) فتضمنت هذه الآية الكريمة أدبا عظيما وسرا شريفا حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله والتوكل على الله وحده وهو قوله ( وقالوا حسبنا الله ) وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال أوامره وترك زواجره وتصديق أخباره والاقتفاء بآثاره

الآيات ( التوبه 60 ) 

 لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم ولمزهم في قسم الصدقات بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها هؤلاء المذكورين كما رواه الإمام أبو داود في سننه ( 1630 ) من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وفيه ضعف عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال أعطنى من الصدقة فقال له إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك 

مسألة في دفع الزكاة

  وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية هل يجب استيعاب الدفع إليها أو إلى ما أمكن منها على قولين 

[ أحدهما ]

 أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة 

[ والثاني

أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى واحد منا ويعطي جميع الصدقة مع وجود الباقين وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون ابن مهران قال ابن جرير وهو قول عامة أهل العلم وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ههنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء ولوجوه الحجج والمآخذ مكان غير هذا والله أعلم وإنما قدم الفقراء ههنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدة فاقتهم وحاجتهم وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالا من الفقير وهو كما قال قال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أنبأنا ابن عون عن محمد قال قال عمر رضي الله عنه الفقير ليس بالذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب قال ابن علية الأخلق المحارف عندنا والجمهور على خلافه وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وابن زيد واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا والمسكين هو الذي يسأل ويطوف يتبع الناس وقال قتادة الفقير من به زمانة والمسكين الصحيح الجسم وقال الثوري عن منصور بن إبراهيم هم فقراء المهاجرين قال سفيان الثوري يعني ولا يعطي الأعراب منها شيئا وكذا روى عن سعيد بن جرير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى وقال عكرمة لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين إنما المساكين أهل الكتاب 

الأحاديث الواردة في مستحقي الزكاة الثمانية  ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية فأما 

[ الفقراء

فعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي رواه أحمد ( 2/164 ) وأبو داود ( 1634 ) والترمذي ( 652 ) ولأحمد أيضا ( 2/377 ) والنسائي ( 5/99 ) وابن ماجة ( 1839 ) عن أبي هريرة مثله وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولالقوي مكتسب رواه أحمد ( 4/224 ) وأبو داود ( 1633 ) والنسائي ( 5/99 ) بإسناد جيد قوي وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ( 9/341 ) أبو بكر العبسي قال قرأ عمر رضي الله عنه ( إنما الصدقات للفقراء ) قال هم أهل الكتاب روي عنه عمر بن نافع سمعت أبي يقول ذلك 

[ قلت

وهذا قول غريب جدا بتقدير صحة الإسناد فإن أبا بكر هذا وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حكم المجهول وأما 

[ المساكين

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان قالوا فما المسكين يا رسول الله قال الذي لا يجد غني يغنيه ولايفطن له فيتصدق عليه ولايسأل الناس شيئا رواه الشيخان البخاري ( 1479 ) ومسلم ( 1039 ) وأما

 [ العاملون عليها

فهم الجباة والسعاة يستحقون منها قسطا على ذلك ولا يجوز


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000