كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ) أي يبين مابدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه ويسكت عن كثير مما غيره ولا فائدة في بيانه وقد روى الحاكم في مستدركه ( 4/395 ) من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) فكان الرجم مما أخفوه ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) أي طريق النجاة والسلامة ومناهج الإستقامة ( ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) أي ينجيهم من المهالك ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور ويحصل لهم أحب الأمور وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة
يقول تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم وهو عبد من عباد الله وخلق من خلقه أنه هو الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ثم قال مخبرا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه ( قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ) أي لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك ثم قال ( ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ) أي جميع الموجودات ملكه وخلقه وهو القادر على ما يشاء لا يسئل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ثم قال تعالى ردا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل أنت ابني بكري فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام كما نقل النصارى من كتابهم أن عيسى قال لهم إني ذاهب إلى أبي وأبيكم يعني ربي وربكم ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة ماادعوها في عيسى عليه السلام وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده ولهذا قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قال الله تعالى رادا عليهم ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) أي لو كنتم كما تدعون أبناؤه وأحباؤه فلم أعددت لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فلم يرد عليه فتلا عليه الصوفي هذه الآية ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) وهذا الذي قاله حسن وله شاهد في المسند للإمام أحمد ( 3/104 ) حيث قال حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول ابني ابني وسمت فأخذته فقال القوم يا رسول الله ماكانت هذه لتلقي ولدها في النار قال فخفضهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا والله ما يلقي حبيبه في النار تفرد به أحمد ( بل أنتم بشر ممن خلق ) أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) أي هو فعال لما يريد لامعقب لحكمه وهو سريع الحساب ( ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ) أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ( وإليه المصير ) أي المرجع والمآب إليه فيحكم في عباده ما يشاء وهو العادل الذي لا يجور وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |