الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 229-594 الجزء

الصفحة التالية

اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) وقال ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وقوله ( قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ) أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ماجئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بان تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد ان يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأعطاهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل رحمه الله

 وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا 

  عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا

   لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا 

  ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذئابا

  وأقامت الناقة وفصيلها بعد ماوضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملئون ما شاؤا من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى ( ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر ) وقال تعالى ( وهذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غير ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ماذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى ( فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ) وقال ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) وقال ( فعقروا الناقة ) فاشتد بذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم غنم كانت عجوزة كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدوف ابنة المحيا بن دهر بن المحيا ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بن غنم قدار بن سالف ابن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له ضيان ولكن ولد على فراش سالف وقالت أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك إنطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستفزا غواة من ثمود فاتبعها سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولايصلحون ) وكانوا رؤساءهم في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حيث صدرت من الماء وقد كمن لها قدار ابن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وذمرته وشد عليها قدار بالسيف فكسف عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000