الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 179-594 الجزء

الصفحة التالية

يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ) والآيات في هذه كثيرة قال الإمام أبو جعفر بن جرير ويحتمل قوله تعالى بظلم وجهين

[ أحدهما ]

( ذلك ) من أجل ( أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ) أهلها بالشرك ونحوه ( وهم غافلون ) يقول إن لم يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولا ينبههم على حجج الله عليهم وينذرهم عذاب الله يوم معادهم ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير 

[ والوجه الثاني ]

 ( ذلك إن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ) يقول لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك والله غير ظلام لعبيده ثم شرع يرجح الوجه الأول ولاشك أنه أقوى والله أعلم قال وقوله تعالى ( لكل درجات مما عملوا ) أي ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلغه الله إياها ويثيبه بها إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا

 [ قلت ]

 ويحتمل أن يعود قوله ( ولكل درجات مما عملوا ) أي من كافري الجن والإنس أي ولكل درجة في النار بحسبه كقوله ( قال لكل ضعف ) وقوله ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ) ( وما ربك بغافل عما يعملون ) قال ابن جرير أي وكل ذلك من عملهم يا محمد يعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه 

الآيات ( الانعام 133 : 135 ) 

 يقول تعالى ( وربك ) يا محمد ( الغني ) أي عن جميع خلقه من جميع الوجوه وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ( ذو الرحمة ) أي وهو مع ذلك رحيم بهم كما قال تعالى ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) ( إن يشأ يذهبكم ) أي إذا خالفتم أمره ( ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) أي قوما آخرين أي يعملون بطاعته ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال تعالى ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ) وقال تعالى ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ) وقال تعالى ( والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) الذرية الأصل والذرية النسل وقوله تعالى ( إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ) أي أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة ( وما أنتم بمعجزين ) أي ولا تعجزون الله بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما وهو قادر لا يعجزه شيء وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها حدثنب أبي حدثنا محمد بن المصفي حدثنا محمد بن حمير عن أبي بكر بن مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين وقوله تعالى ( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ) هذا تهديد شديد ووعيد أكيد أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي كقوله ( وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ( على مكانتكم ) ناحيتكم ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ) أي أتكون لي أو لكم وقد أنجز الله موعوده لرسوله صلوات الله عليه أي فإنه مكنه في البلاد وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد وفتح له مكة وأظهر على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه واستقر أمره على سائر جزيرة العرب وكذلك اليمن والبحرين وكل ذلك في حياته ثم


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000