الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 161-594 الجزء

الصفحة التالية

أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) الآية ولهذا قال ها هنا ( إن في ذلك ) أيها الناس ( لآيات ) أي دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ( لقوم يؤمنون ) أي يصدقون به ويتبعون رسله

الآيات ( الانعام 100 ) 

 هذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره وأشركوا به في عبادته أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة تعالى الله عن شركهم وكفرهم فإن قيل فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام فالجواب أنهم ماعبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك كقوله ( إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يعبدون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمينهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) وكقوله تعالى ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) الآية وقال إبراهيم لأبيه ( يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) وكقوله ( ألم أعهد إليكم يا بنيآدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) وتقول الملائكة يوم القيامة ( سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) ولهذا قال تعالى ( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ) أي وقد خلقهم فهو الخالق وحده لا شريك له فكيف يعبد معه غيره كقول إبراهيم ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) ومعنى الآية أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له وقوله تعالى ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) ينبه به تعالى على ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدا كما يزعم من قاله من اليهود في عزير ومن قال من النصارى في عيسى ومن قال من مشركي العرب في الملائكة أنها بنات الله ( تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ) ومعنى خرقوا أي اختلفوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا كما قاله علماء السلف قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وخرقوا يعني تخرصوا وقال العوفي عنه ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) قال جعلوا له بنين وبنات وقال مجاهد ( وخرقوا له بنين وبنات ) كذبوا وكذا قال الحسن وقال الضحاك وضعوا وقال السدي قطعوا قال ابن جرير وتأويله إذا وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياهم وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولامعين ولا ظهير ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) بحقيقة ما يقولون ولكن جهلا بالله وبعظمته فإنه لا ينبغي لمن كان إلها أن يكون له بنون وبنات وصاحبة ولا أن يشركه في خلقه شريك ولهذا قال ( سبحانه وتعالى عما يصفون ) أي تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء 

الآيات ( الانعام 101 ) 

 ( بديع السموات والأرض ) أي مبدعهما وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق كما قال مجاهد والسدي ومنه سميت البدعة بدعة لأنه لا نظير لها فيما سلف ( أنى يكون له ولد ) اي كيف يكون له ولد ( ولم تكن له صاحبة ) أي والد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين والله تعالى لا يناسبه ولايشابهه شيء من خلقه لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا ) إلى قوله ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) ( وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ) فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء وأنه بكل شيء عليم فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له فأنى يكون له ولد ( تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا )


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000