الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 159-594 الجزء

الصفحة التالية

يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب وانزاح الضلال وضل عنهم ماكانوا يفترون ويناديهم الرب جل جلاله على رءوس الخلائق ( أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) وقيل لهم أين ماكنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون ولهذا قيل ها هنا ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتهم أنهم فيكم شركاء ) أي في العبادة لهم فيكم قسط في إستحقاق العبادة لهم ثم قال تعالى ( لقد تقطع بينكم ) قرئ بالرفع أي شملكم وقرئ بالنصب أي لقد تقطع مابينكم من الأسباب والوصلات والوسائل ( وضل عنكم ) أي ذهب عنكم ( ماكنتم تزعمون ) من رجوى الأصنام والأنداد كقوله تعالى ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) وقال تعالى ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) وقال تعالى ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) وقال ( وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ) الآية وقال ( ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ) إلى قوله ( وضل عنهم ماكانوا يفترون ) والآيات في هذا كثيرة جدا

الآيات ( الانعام 95 : 97 ) 

 يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى ولهذا فسر قوله ( فالق الحب والنوى ) بقوله ( يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ) أي يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت كقوله ( وآية لهم الآرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ) إلى قوله ( ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) وقوله ( ومخرج الميت من الحي ) معطوف على ( فالق الحب والنوى ) ثم فسره ثم عطف عليه قوله ( ومخرج الميت من الحي ) وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى فمن قائل يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه ومن قائل يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها ثم قال تعالى ( ذلكم الله ) أي فاعل هذا هو الله وحده لا شريك له ( فأنى تؤفكون ) أي كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون معه غيره وقوله ( فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا ) أي خالق الضياء كما قال في أول السورة ( وجعل الظلمات والنور ) أي فهر سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح فيضئ الوجود ويستنير الأفق ويضمحل الظلام ويذهب الليل بدآدئه وظلام رواقه ويجئ النهار بضيائه وإشراقه كقوله ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه فذكر أنه فالق الإصباح وقابل ذلك بقوله ( وجعل الليل سكنا ) أي ساجيا لتسكن فيه الأشياء كما قال ( والضحى والليل إذا سجى ) وقال ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ) وقال ( والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ) وقال صهيب الرومي رضي الله عنه لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره إن الله جعل الليل سكنا إلا لصهيب إن صهيبا إذا ذكر الجنة طال شوقه وإذا ذكر النار طار نومه رواه ابن أبي حاتم وقوله ( والشمس والقمر حسبانا ) أي يجريان بحسبان مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولا وقصرا كما قال ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ) الآية وكما قال ( لاالشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) وقال ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) وقوله ( ذلك تقدير العزيز العليم ) أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف العليم بكل شيء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000