الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 153-594 الجزء

الصفحة التالية

إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مولود يولد على الفطرة ( خ 1359 م 2658 ) وفي صحيح مسلم ( 2865 ) عن عياض بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله إني خلقت عبادي حنفاء وقال الله في كتابه العزيز ( فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) وقال تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) ومعناه على أحد القولين كقوله ( فطرت الله التي فطر الناس عليها ) كما سيأتي بيانه فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين ناظرا في هذا المقام بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة السجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى

الآيات ( الانعام 80 : 83 ) 

 يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد وناظروه بشبه من القول أنه قال ( أتحاجوني في الله وقد هدان ) أي تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة وقوله ( ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ) أي ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئا وأنا لا أخافها ولا أباليها فان كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنتظرون بل عاجلوني بذلك وقوله تعالى ( إلا أن يشاء ربي شيئا ) استثناء منقطع أي لا يضر ولا ينفع إلا الله عز وجل ( وسع ربي كل شيء علما ) أي أحاط علمه بجميع الأشياء فلا يخفى عليه خافية ( أفلا تتذكرون ) أي فيما بينته لكم أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها وهذه الحجة نظير مااحتج بها نبي الله هود عليه السلام على قومه عاد فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول ( قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله وأشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم مامن دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) الآية وقوله ( وكيف أخاف ما أشركتم ) أي كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله ( ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) قال ابن عباس وغير واحد من السلف أي حجة وهذا كقوله تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) وقوله تعالى ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) وقوله ( فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ) أي فأي الطائفتين أصوب الذي عبد من بيده الضرر والنفع أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة لا شريك له قال الله تعالى ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة قال البخاري ( 4629 ) حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت ( ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) قال أصحابه وأينا لم يظلم نفسه فنزلت ( إن الشرك لظلم عظيم ) وقال الإمام أحمد


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000