ولهذا قال بعده ( وسوف تعلمون ) وقوله ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ) أي بالتكذيب والإستهزاء ( فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) أي حتى يأخذوا في كلام آخر غير ماكانوا فيه من التكذيب ( وإما ينسينك الشيطان ) والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله ويضعونها على غير موضعها فإن جلس أحد معهم ناسيا ( فلا تقعد بعد الذكرى ) بعد التذكر ( مع القوم الظالمين ) ولهذا ورد في الحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقال السدي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله ( وإما ينسينك الشيطان ) قال إن نسيت فذكرت ( فلا تقعد ) معهم وكذا قال مقاتل بن حيان وهذه الآية هي المشار إليها في قوله ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) الآية أي إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم فيما هم فيه وقوله ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) أي إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برؤا من عدتهم وتخلصوا من إثمهم قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن سعيد بن جبير قوله ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) قال ماعليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك أي إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم وقال آخرون بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء بالمدينة وهي قوله ( إنكم إذا مثلهم ) قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم وعلى قولهم يكون قوله ( ولكن ذكرى لهم لعلهم يتقون ) أي ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه
يقول تعالى ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا ) أي دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم ولهذا قال ( وذكر به ) أي ذكر الناس بهذا القرآن وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة وقوله تعالى ( أن تبسل نفس بما كسبت ) أي لئلا تبسل قال الضحاك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي تبسل تسلم وقال الوالبي عن ابن عباس تفتضح وقال قتادة تحبس وقال مرة وابن زيد تؤاخذ وقال الكلبي تجازى وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى وحاصلها الإسلام للهلكة والحبس عن الخير والإرتهان عن درك المطلوب كقوله ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ) وقوله ( ليس لها من دون الله من ولي ولا شفيع ) أي لاقريب ولا أحد يشفع فيها كقوله ( من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) وقوله ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) أي ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كقوله ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ) الآية وكذا قال ها هنا ( أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون )
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |