الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 139-594 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( الانعام 60 : 62 ) 

 تعالى أنه يتوفى عباده في منامهم بالليل وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) وقال تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى فقال ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ) أي يعلم ماكسبتم من الأعمال بالنهار وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة عمله تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم في حال سكونهم وحال حركتهم كما قال ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) وكما قال تعالى ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ) أي في الليل ( ولتبتغوا من فضله ) أي في النهار كما قال ( وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ) ولهذا قال تعالى ها هنا ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ) أي ماكسبتم من الأعمال فيه ( ثم يبعثكم فيه ) أي في النهار قاله مجاهد وقتادة والسدي وقال ابن جريج عن عبد الله بن كثير أي في المنام والأول أظهر وقد روي ابن مردويه بسنده عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مع كل أنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه فذلك قوله ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ) وقوله ( ليقضى أجل مسمى ) يعني به أجل كل واحد من الناس ( ثم إليه مرجعكم ) أي يوم القيامة ( ثم ينبئكم ) أي فيخبركم ( بما كنتم تعملون ) أي ويجزيكم على ذلك إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر وقوله ( وهو القاهر فوق عباده ) أي وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء ( ويرسل عليكم حفظة ) أي من الملائكة يحفظون بدن الإنسان كقوله ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله ( وإن عليكم لحافظين ) الآية وكقوله ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وقوله ( إذ يتلقى المتلقيان ) الآية وقوله ( حتى إذا جاء أحدكم الموت ) أي احتضر وحان أجله ( توفته رسلنا ) أي ملائكة موكلون بذلك قال ابن عباس وغير واحد لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم وسيأتي عند قوله تعالى ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة وقوله ( وهم لا يفرطون ) أي في حفظ روح المتوفي بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل إن كان من الأبرار ففي عليين وإن كان من الفجار ففي سجين عياذا بالله من ذلك وقوله ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) قال ابن جرير ( ثم ردوا ) يعني الملائكة ( الى مولاهم الحق ) ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد ( 2/364 ) حيث قال حدثنا حسين بن محمد حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل وإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا فيقال فلان فيقال لامرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فنرسل من السماء ثم تصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول هذا حديث غريب ويحتمل أن يكون المراد بقوله ( ثم ردوا ) يعني الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله كما قال ( قل إن الأولين والأخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) وقال ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) إلى قوله ( ولا يظلم ربك أحدا ) ولهذا قال ( مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000