الذي لا يسمع أبكم وهو الذي لا يتكلم وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه كقوله ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ماحوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) وكما قال تعالى ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) ولهذا قال ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) أي هو المتصرف في خلقه بما يشاء
يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد المتصرف في خلقه بما يشاء وأنه لامعقب لحكمه ولايقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء ولهذا قال ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ) أي أتاكم هذا أو هذا ( أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ) أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه ولهذا قال ( إن كنتم صادقين ) أي في إتخاذكم آلهة معه ( بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ) أي في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كقوله ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) الآية وقوله ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ) يعني الفقر والضيق في العيش ( والضراء ) وهي الأمراض والأسقام والآلام ( لعلهم يتضرعون ) أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون قال الله تعالى ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ) أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا ( ولكن قست قلوبهم ) أي مارقت ولا خشعت ( وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون ) أي من الشرك والمعاندة والمعاصي ( فلما نسوا ماذكروا به ) أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارونه وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم عياذا بالله من مكره ولهذا قال ( حتى إذا فرحوا بما أتوا ) من الأموال والأولاد والأرزاق ( أخذناهم بغتتة ) أي على غفلة ( فإذا هم مبلسون ) أي آيسون من كل خير قال الوالبي عن ابن عباس المبلس الآيس وقال الحسن البصري من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له ثم قرأ ( فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) قال مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا رواه ابن أبي حاتم وقال قتادة بغت القوم أمر الله وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقين رواه ابن أبي حاتم أيضا وقال مالك عن الزهري ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) قال أرجاء الدنيا وسترها وقد قال الإمام أحمد ( 4/145 ) حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري عن حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |