الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 124-594 الجزء

الصفحة التالية

يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم فجمع لفظ الظلمات ووحد لفظ النور لكونه أشرف كقوله تعالى ( عن اليمين والشمائل ) وكما قال في آخر هذه السورة ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ثم قال تعالى ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) أي ومع هذا كله كفر به بعض عباده وجعله له شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا وقوله تعالى ( هو الذي خلقكم من طين ) يعني أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب وقوله ( ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس ( ثم قضى أجلا ) يعني الموت ( وأجل مسمى عنده ) يعني الآخرة وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم وقول الحسن في روايته عنه ( ثم قضى أجلا ) وهو مابين أن يخلق إلى أن يموت ( وأجل مسمى عنده ) وهو مابين أن يموت إلى أن يبعث ويرجع إلى ما تقدم وهو تقدير الأجل الخاص وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكاملها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها وانتقالها إلى الدار الآخرة وعن ابن عباس ومجاهد ( ثم قضى أجلا ) يعني مدة الدنيا ( وأجل مسمى عنده ) يعني عمر الإنسان إلى حين موته وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ماجرحتم بالنهار ) الآية وقال عطية عن ابن عباس ( ثم قضى أجلا ) يعني النوم يقبض فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ( وأجل مسمى عنده ) يعني أجل موت الإنسان وهذا قول غريب ومعنى قوله ( عنده ) أي لا يعلمه إلا هو كقوله ( إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ) وكقوله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ) وقوله تعالى ( ثم أنتم تمترون ) قال السدي وغيره يعني تشكون في أمر الساعة وقوله تعالى ( وهو الله في السموات والأرض يعلم سركم وجهركم ) اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول القائلين تعالى عن قولهم علوا كبيرا بأنه في كل مكان حيث حملوا الآية على ذلك فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض وعلى هذا فيكون قوله ( يعلم سركم وجهركم ) خبرا أو حالا

[ والقول الثاني ]

 أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض من سر وجهر فيكون قوله يعلم متعلقا بقوله ( وفي السموات وفي الأرض ) تقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون والقول الثالث أن قوله ( وهو الله في السموات ) وقف تام ثم استأنف الخبر فقال ( وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ) وهذا اختيار ابن جرير وقوله ( ويعلم ما تكسبون ) أي جميع أعمالكم خيرها وشرها 

الآيات ( الانعام 4 : 6 ) 

 يقول تعالى مخبرا عن المشركين المكذبين المعاندين أنهم كلما أتتهم آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية الله وصدق رسله الكرام فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها قال الله تعالى ( فقد كذبوا بالحق لما جاءهم


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000